تغذية المراهقين

تُعد مرحلة المراهقة من أكثر مراحل الحياة التي يمر فيها الجسم بتغيرات واضحة وسريعة. فخلال هذه السنوات لا يقتصر الأمر على زيادة الطول والوزن فقط بل تحدث تغيرات في تركيب الجسم والكتلة العضلية والعظمية و تغيرات نفسية ومعرفية تؤثر أيضًا في طريقة تناول الطعام واختيار الأطعمة.

وغالبًا ما يُنظر إلى المراهقة على أنها مرحلة من التمرد أو الدلال الزائد أو التصرفات غير العقلانية إلا أن المراهقة جزء أساسي وطبيعي من النمو. يبدأ خلالها المراهق بالاعتماد بشكل أكبر على نفسه وتكوين شخصيته واستكشاف هويته واتخاذ قراراته بعيدًا عن اختيارات والديه.

وهذا الاستقلال يظهر أيضًا في علاقته بالطعام إذ يبدأ المراهق بالاعتماد بشكل أكبر على نفسه في اختيار ما يأكله ومتى يأكل. وقد تصبح الوجبات السريعة أو السناكات أو المشروبات الغازية والعصائر أو تخطي بعض الوجبات جزءًا من نمط حياته اليومي.

لذلك ترتبط هذه المرحلة بمجموعة من السلوكيات الغذائية التي تستحق الانتباه. ليس بهدف فرض السيطرة على اختيارات المراهقين وإنما لمساعدتهم على فهم احتياجاتهم واتخاذ قرارات غذائية أكثر وعيًا.وعيا

لذلك فإن تغذية المراهقين لا تتعلق فقط بكمية الطعام التي يتناولها وإنما بقدرته على الحصول على الطاقة والبروتين والفيتامينات والمعادن التي يحتاجها جسمه خلال فترة النمو مع بناء عادات غذائية يمكن أن تستمر معه .

فما الذي يحتاجه المراهق فعلًا خلال هذه المرحلة؟ وما أكثر العناصر الغذائية التي تستحق الاهتمام؟ وكيف يمكن أن تؤثر العادات الغذائية اليومية في صحته ونموه؟

لماذا تختلف احتياجات المراهق الغذائية؟

تختلف الاحتياجات الغذائية خلال مرحلة المراهقة بشكل واضح ليس فقط بسبب العمر وإنما بسبب اختلاف توقيت وسرعة النمو والنضج بين المراهقين.

فمرحلة البلوغ يصاحبها ارتفاع سريع في الطول والوزن وزيادة في الكتلة العضلية والعظمية. إلى جانب تغيرات في تركيب الجسم ولذلك فإن احتياجات الجسم من الطاقة والعناصر الغذائية تزداد خلال هذه الفترة.

من المهم أن نعرف أن المراهقين في العمر نفسه لا يمرون دائمًا بمرحلة النمو نفسها. فقد يكون هناك مراهقان يبلغان 14 عامًا لكن أحدهما يكون قد دخل مرحلة النمو السريع فيزداد طوله ووزنه وتبدأ كتلته العضلية والعظمية بالزيادة بينما يكون الآخر ما يزال في بداية هذه التغيرات.

لذلك لا يعني تشابه العمر أن احتياجاتهما الغذائية متطابقة. فاحتياجات المراهق تعتمد أيضًا على مرحلة النمو التي يمر بها والتغيرات التي تحدث في جسمه. وكلما كان الجسم يمر بنمو أكبر زادت حاجته إلى الطاقة والبروتين والفيتامينات والمعادن لدعم هذا النمو.

وتزداد أهمية التغذية في هذه المرحلة لأن الجسم يكون في فترة من التغير السريع وفي الوقت نفسه يبدأ المراهق باتخاذ قراراته الغذائية بنفسه بشكل أكبر. وقد تؤثر رغبة الاستقلال أو محاولة التشبه بالأصدقاء أحيانًا في عاداته الغذائية مثل تخطي الوجبات أو اتباع طرق غير صحية لخسارة الوزن.

لكن المراهقة ليست مرحلة نمو جسدي فقط بل هي أيضًا فرصة مهمة لتكوين عادات غذائية وصحية يمكن أن تستمر مع الشخص خلال مرحلة البلوغ.

أهم العناصر في مرحلة المراهقة

خلال فترة المراهقة يحتاج الجسم إلى كمية أكبر من الطاقة والعناصر الغذائية بسبب النمو السريع والتغيرات التي تحدث خلال مرحلة البلوغ. وتختلف كمية الطاقة التي يحتاجها كل مراهق حسب معدل الأيض ومستوى النشاط البدني ومرحلة النمو التي يمر بها. وبشكل عام تكون احتياجات الذكور من الطاقة أعلى من الإناث .

أما البروتين فهو ضروري لبناء العضلات والأنسجة الجديدة ودعم نمو الجسم. وتبلغ الاحتياجات الموصى بها للمراهقين حوالي 0.85 غرامًا لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا.

مثال: إذا كان وزن المراهق 50 كغ نحسب احتياجه اليومي من البروتين كالتالي:

50 × 0.85 = 42.5 غرامًا من البروتين يوميًا تقريبًا.

وهذا الرقم يمثل كمية البروتين اليومية الموصى بها وليس وزن الطعام نفسه فـ100 غرام من الدجاج مثلًا لا تعني أنها تحتوي على 100 غرام من البروتين.

وفي حالات النقص الشديد والمستمر في البروتين قد يتأثر نمو الجسم والنضج الجسدي.

ولا تقل أهمية الدهون خلال هذه المرحلة فهي مصدر للطاقة وتوفر الأحماض الدهنية الأساسية كما تساعد الجسم على امتصاص الفيتامينات الذائبة في الدهون مثل فيتامينات A وD وE وK.

لماذا يأكل المراهق بطريقة مختلفة؟

تتغير عادات الأكل خلال فترة المراهقة بشكل واضح ليس فقط بسبب زيادة احتياجات الجسم وإنما أيضًا بسبب تغير نمط حياة المراهق ورغبته المتزايدة في الاستقلال واتخاذ قراراته بنفسه واتباع أقرانه .

فلماذا يأكل المراهق بطريقة مختلفة؟

1. الانشغال والدراسة:
بين الدراسة والرياضة والوقت مع الأصدقاء قد يصبح يوم المراهق مزدحمًا مما يجعل تناول الوجبات في أوقات منتظمة أكثر صعوبة. لذلك قد يلجأ إلى الأطعمة السريعة والجاهزة لأنها أسهل وأسرع.

2. الوجبات الخفيفة (السناكات):
مع زيادة احتياجات الجسم للطاقة قد يحتاج المراهق إلى تناول وجبات خفيفة بين الوجبات الرئيسية.

لكن المشكلة قد تكون في نوعية هذه الوجبات فاختيار المشروبات الغازية والحلويات والشيبس بشكل متكرر .قد يوفر سعرات حرارية دون الحصول على العناصر الغذائية التي يحتاجها الجسم.

3. تخطي الوجبات:
قد يتخطى بعض المراهقين وجباتهم بسبب ضيق الوقت أو الاستيقاظ المتأخر. بينما قد يتعمد البعض الآخر تلك الطريقة لمحاولة للتحكم بالوزن.

4. تناول الطعام خارج المنزل:
مع زيادة الوقت الذي يقضيه المراهق خارج المنزل ومع أصدقائه قد تزداد فرصة تناوله للوجبات السريعة . كما يمكن أن تؤثر اختيارات الأصدقاء والمحيط الاجتماعي في نوعية الطعام الذي يختاره.

5. الوجبات العائلية:
قد تقل مشاركة المراهق في الوجبات العائلية مع زيادة استقلاليته وانشغاله. ومع ذلك فإن تناول الوجبات مع العائلة يمكن أن يساعد على توفير فرصة أفضل لتناول أطعمة متنوعة مثل الخضراوات والفواكه ومصادر البروتين.

أكثر المشكلات الغذائية شيوعًا عند المراهقين

نقص الحديد وفقر الدم:
يُعد فقر الدم الناتج عن نقص الحديد من أهم المشكلات الغذائية الأطفال والمراهقين. وترتبط احتمالية حدوثه بعدة عوامل منها:

  • النمو السريع خلال مرحلة المراهقة
  • عدم الحصول على كمية كافية من الأطعمة الغنية بالحديد
  • تخطي الوجبات
  • اتباع الحميات الغذائية الخاطئة
  • إضافة إلى غزارة الدورة الشهرية لدى الفتيات

زيادة الوزن أو نقصه:
خلال المراهقة تحدث تغيرات سريعة في الطول والوزن وتركيبة الجسم لذلك ينبغي عند تقييم حالة المراهق النظر إلى نمط نموه وطوله ووزنه ومؤشر كتلة الجسم بالنسبة للعمر إلى جانب عاداته الغذائية ومستوى نشاطه البدني.

الحميات الغذائية واضطرابات الأكل:
تُعد محاولة التحكم بالوزن من السلوكيات التي تستحق الانتباه خلال المراهقة.اذ أن اتباع الحميات شائع بين المراهقين كما توجد سلوكيات أكثر خطورة مثل الصيام لفترات طويلة بهدف إنقاص الوزن.

مشكلات مرتبطة بنمط الغذاء:
يجب الانتباه إلى الأنظمة الغذائية التي تتصف بكثرة الأطعمة والمشروبات العالية بالدهون أو السكر أو الاعتماد على تخطي الوجبات. ويحتاج المراهق الذي تظهر لديه هذه الأنماط إلى تقييم غذائي وتوجيه عملي يساعده على تحسين اختياراته الغذائية. خصوصًا إذا ترافق ذلك مع مشكلة مثل زيادة الوزن أو ارتفاع الدهون أو ارتفاع ضغط الدم أو فقر الدم الناتج عن نقص الحديد.

كيف ندعم المراهق غذائيًا؟

دعم المراهق غذائيًا لا يعني أن نخبره فقط ماذا يأكل وماذا يجب أن يتجنب. بل أن نساعده على فهم احتياجات جسمه وتعليمه كيف يتخذ قراراته الغذائية بنفسه. فخلال هذه المرحلة يبدأ المراهق بالاستقلال واتخاذ قراراته الخاصة به. ولذلك أن أرى أن المراهقة تمثل فرصة مهمة لتعليم المراهق تقييم عاداته الغذائية ووضع أهداف يمكنه العمل عليها.

ومن أهم الطرق التي يمكن من خلالها دعم المراهق توفير بيئة غذائية مناسبة في المنزل مع إعطائه فرصة للمشاركة في اختيار الأطعمة والوجبات بدل أن تكون التغذية قائمة على الأوامر والمنع فقط.

كما يرتبط تناول الوجبات مع الأسرة بنمط غذائي أفضل لدى المراهقين إذ يرتبط تكرار الوجبات العائلية بتناول كميات أكبر من الفواكه والخضروات والأطعمة الغنية بالكالسيوم وبانخفاض تناول المشروبات الغازية. كما تمنح الوجبات العائلية الأهل فرصة ليكونوا نموذجًا للعادات الغذائية الصحية وتعريف المراهق بمجموعة متنوعة من الأطعمة.

ولا يقتصر دعم المراهق على المنزل فالمدرسة والمجتمع لهما دور أيضًا. مع التأكيد على أهمية توفير بيئة مدرسية تشجع على الأكل الصحي وتقديم التثقيف الغذائي وإشراك الأهل والمعلمين والطلاب في البرامج الصحية والغذائية.

أما عند وجود مشكلة غذائية محددة مثل زيادة الوزن أو اضطرابات الأكل فيحتاج المراهق إلى تدخل أكثر . ويجب أن تكون برامج التعامل مع الوزن مناسبة من الناحية الغذائية وغير قائمة على أسلوب لوم المراهق مع الانتباه أيضًا إلى حالته النفسية. وفي حالات اضطرابات الأكل يكون دور أخصائي التغذية هو تقييم المدخول الغذائي ووضع التدخل المناسب والمساعدة على بناء نمط منتظم ومتوازن مع التعاون مع أعضاء الفريق الصحي الآخرين عند الحاجة.

لذلك فإن أفضل دعم غذائي للمراهق هو الذي يجمع بين المعرفة والاختيار والبيئة المناسبة والدعم الأسري. فهذه المرحلة لا تتعلق فقط بتلبية احتياجات الجسم الحالية وإنما تمثل فرصة لتعليم المراهق مهارات وعادات غذائية قد تستمر معه إلى مرحلة البلوغ.

الخلاصة

المراهقة ليست مجرد مرحلة يزداد فيها الطول والوزن بل فترة مهمة من النمو والتغير. يبدأ خلالها المراهق بتكوين شخصيته واتخاذ قراراته بشكل أكثر استقلالًا. ومع هذا النمو تتغير احتياجات الجسم الغذائية كما تتغير العادات والسلوكيات المرتبطة بالطعام والنشاط البدني.

لذلك فإن الاهتمام بتغذية المراهق لا ينبغي أن يقتصر على مراقبة وزنه أو منعه من بعض الأطعمة .وإنما يجب أن يركز على تلبية احتياجاته الغذائية ومساعدته على فهم ما يحتاجه جسمه وبناء عادات غذائية متوازنة يمكن أن تستمر معه .

للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية

يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.

كتبت المقالة بواسطة هديل قنديل أخصائية  العلاجية.

المصادر

understanding of nutrition 11th edition

https://www.who.int/initiatives/global-accelerated-action-for-the-health-of-adolescent/aa-ha%21-guidance-2d-edition/chapter-3/section-3-12?utm

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12547737/pdf/main.pdf

scroll to top