لماذا يحتاج الجسم إلى الدهون رغم أنها تعطي ضعف سعرات الكربوهيدرات والبروتين ؟

عندما يسمع معظم الناس كلمة دهون بتكون أول فكرة بتخطر في بالهم هي زيادة الوزن فيبدأ الخوف منها ومحاولة تقليلها أو تجنبها قدر الإمكان. لكن الدهون ليست مجرد مصدر للسعرات الحرارية بل هي من العناصر الغذائية الأساسية التي يحتاجها الجسم ولها أدوار متعددة ومهمة تتجاوز مجرد توفير الطاقة.

فالدهون تدخل في تكوين خلايا الجسم وتساعد على امتصاص بعض الفيتامينات وتوفر الأحماض الدهنية الأساسية التي لا يستطيع الجسم تصنيعها بمفرده .كما تشارك في العديد من العمليات والوظائف الحيوية.

 ولا يقتصر هذا الدور على الكبار فحسب بل تُعد الدهون عنصرًا حيويًا وأساسيًا للأطفال بشكل خاص إذ تلعب دورًا محوريًا في نموهم السليم وتطور أدمغتهم ورؤيتهم وبناء جهازهم العصبي.

لذلك فإن وجود الدهون في النظام الغذائي ليس أمرًا يجب الخوف منه بحد ذاته وإنما الأهم هو نوع الدهون وكميتها.

لماذا تخيفنا كلمة دهون؟

كما ذكرنا سابقا فقد ارتبطت كلمة دهون في أذهان كثير من الناس بزيادة الوزن والسمنة وأصبحت من أول الأشياء التي نحاول تقليلها عندما نفكر في اتباع نظام غذائي صحي.

وربما يعود جزء من هذا الخوف إلى حقيقة أن الدهون هي أكثر المغذيات احتواءً على الطاقة إذ يوفر الغرام الواحد من الدهون حوالي 9 سعرات حرارية مقارنةً بحوالي 4 سعرات حرارية للغرام الواحد من الكربوهيدرات أو البروتين.

لكن وجود سعرات حرارية أكثر في الغرام لا يعني بالضرورة أن الدهون ضارة أو أن الجسم لا يحتاجها. وهنا من المهم أن نفرّق بين كمية الطاقة التي يوفرها الغذاء وبين أهميته الغذائية للجسم.

لذلك علينا أن نُميّز بين هذين المصطلحين

(Energy Density)

يشير هذا المصطلح إلى كمية الطاقة أو السعرات الحرارية الموجودة في وزن أو حجم معين من الطعام. وتُعد الدهون ذات كثافة مرتفعة في السعرات لأنها توفر كمية كبيرة من الطاقة مقارنة بوزنها.

(Nutrient Density)

يشير هذا المصطلح إلى كمية العناصر الغذائية المفيدة التي يوفرها الطعام مقارنةً بكمية الطاقة التي يحتوي عليها: مثل الفيتامينات والمعادن والأحماض الدهنية الأساسية وغيرها من المركبات المهمة للجسم.

لذلك لا يمكن الحكم على الدهون من عدد السعرات التي توفرها فقط فالجسم لا يحتاج إلى الطاقة وحدها وإنما يحتاج أيضًا إلى العناصر الغذائية والوظائف التي تؤديها الدهون داخل الجسم.

ولفهم الفرق بشكل أوضح لنقارن بين وجبتين:

تخيّل أننا وضعنا أمامك خيارين متقاربين في السعرات الحرارية بحيث تحتوي كل وجبة على حوالي 350 سعرة حرارية:

  • الخيار الأول: قطعة دونات مغطاة بالشوكولاتة.
  • الخيار الثاني: بيضتان مسلوقتان + نصف حبة أفوكادو متوسطة + شريحة من خبز التوست الأسمر الكامل.

قد تكون السعرات الحرارية في الوجبتين متقاربة لكن تركيب كل وجبة وقيمتها الغذائية مختلفان.

فالدونات قد توفر قدرًا كبيرًا من طاقتها من الدهون الغير مفيدة أو حتى الضارة والكربوهيدرات المكررة والسكريات المضافة مع كمية أقل من البروتين والألياف وبعض الفيتامينات والمعادن.

في المقابل تجمع وجبة البيض والأفوكادو والتوست بين البروتين والألياف والدهون غير المشبعة ومجموعة من الفيتامينات والمعادن. كما أن اجتماع هذه العناصر ضمن الوجبة قد يساعد على الشعور بالشبع ويجعل الوجبة أكثر تنوعًا من الناحية الغذائية.

لذلك تشابه السعرات لا يعني تشابه القيمة الغذائية .فالسعرات الحرارية تخبرنا بكمية الطاقة التي يوفرها الطعام لكنها لا تخبرنا وحدها عن كمية البروتين أو الألياف أو الفيتامينات والمعادن أو نوع الدهون الموجودة فيه اي لا تخبرنا السعرات الحرارية بالقيمة الغذائية المستفادة من وجبة الطعام .

ومن هون يجب علينا أن لا ننظر إلى الدهون من زاوية عدد السعرات التي توفرها فقط. بل من المهم أيضًا النظر إلى نوع الدهون المكونة للوجبة وكميتها وما يرافقها من عناصر غذائية ضمن الوجبة كاملة.

ما هي الدهون أصلًا؟

عندما نتحدث عن الدهون فنحن لا نتحدث عن مادة واحدة بل عن مجموعة من المركبات التي تختلف في تركيبها ووظائفها داخل الجسم. ومن أهم مكوناتها الأحماض الدهنية (Fatty acids)،التي تدخل في تركيب أنواع مختلفة من الدهون.

وتشمل الدهون الموجودة في غذائنا أنواعًا رئيسية من أبرزها:

  • الدهون المشبعة: توجد في العديد من الأطعمة الحيوانية كما توجد في بعض المصادر النباتية مثل زيت جوز الهند وزيت النخيل.
  • الدهون غير المشبعة : وتنقسم بشكل رئيسي إلى دهون أحادية ومتعددة غير مشبعة وتوجد في أطعمة مثل زيت الزيتون والمكسرات والأفوكادو والأسماك.
  • الأحماض الدهنية الأساسية : وهي أحماض دهنية لا يستطيع الجسم تصنيعها لذلك يجب الحصول عليها من الغذاء. ومن أهمها حمض اللينوليك  من أوميغا-6 وحمض ألفا-لينولينيك  من أوميغا-3.

إذا كان الجسم يستطيع تصنيع بعض الدهون فلماذا نحتاج إلى الدهون من الطعام؟

السبب أن الدهون لا تؤدي وظيفة واحدة في الجسم ولا تقتصر أهميتها على توفير الطاقة فقط بل دورها اكبر من ذلك بكثير. صحيح أن الغرام الواحد من الدهون يوفر حوالي 9 سعرات حراري و يستطيع الجسم تخزينها واستخدامها لاحقًا عند الحاجة لكن للدهون أدوارًا أخرى أساسية ومصيرية أيضاً.

1. مصدر ومخزن للطاقة

كما ذكرنا سابقا تُعد الدهون مصدرًا مركزًا للطاقة ويمكن للجسم استخدامها عند الحاجة. كما يستطيع تخزين الفائض منها في النسيج الدهني لاستخدامه لاحقًا.

2. تدخل في بناء الخلايا

تدخل بعض أنواع الدهون مثل الفوسفوليبيدات (Phospholipids) في تكوين أغشية الخلايا. لذلك فهي جزء أساسي من البنية التي تحيط بالخلايا وتساعد على تنظيم ما يدخل إليها وما يخرج منها.

3. تساعد على امتصاص بعض الفيتامينات

وجود الدهون في النظام الغذائي يساعد الجسم على امتصاص الفيتامينات الذائبة في الدهون وهي A وD وE وK.

4. توفر الأحماض الدهنية الأساسية

يحتاج الجسم إلى بعض الأحماض الدهنية التي لا يستطيع تصنيعها بنفسه ولذلك يجب الحصول عليها من الطعام. وتشارك هذه الأحماض في العديد من الوظائف والعمليات الحيوية داخل الجسم.

5. العزل والحماية

يساعد النسيج الدهني الموجود تحت الجلد على العزل الحراري كما يساهم النسيج الدهني المحيط ببعض الأعضاء في توفير قدر من الحماية الميكانيكية.

6. النسيج الدهني ليس مجرد مخزن للطاقة

 الدهون المخزنة في الجسم ليست مجرد مخزون خامد للسعرات الحرارية. فالنسيج الدهني يُعد نسيجًا نشطًا من الناحية الأيضية ويمكنه إفراز مواد تُعرف باسم  (Adipokines). والتي تشارك في تنظيم عدد من العمليات مثل توازن الطاقة والشهية والاستجابة للإنسولين والالتهاب.

عندما يصبح السعي إلى جسم أكثر نحافة مشكلة

قد يبدو الوصول إلى جسم شديد النحافة أو الحفاظ على نسبة دهون منخفضة جدًا هدفًا لبعض الرياضيات خصوصًا في الرياضات التي يكون فيها الوزن أو النحافة أو المظهر الجسدي جزءًا من متطلبات الأداء أو المنافسة.

لكن عندما يتحول السعي إلى وزن أقل إلى تقليل شديد للطعام أو عدم تعويض الطاقة التي يستهلكها التدريب قد لا يحصل الجسم على الطاقة الكافية لتغطية جميع احتياجاته.

ومع استمرار هذا النقص في الطاقة قد يبدأ الجسم بالتكيف مع نقص الطاقة فتتأثر بعض الوظائف التي لا تُعد ضرورية للبقاء الفوري ومن بينها الوظيفة التناسلية.

فلا يقتصر دور الدهون في الجسم على تخزين الطاقة بل تدخل الدهون والأحماض الدهنية في عدد من العمليات المرتبطة بالوظيفة الهرمونية.

لذلك عندما تحاول بعض الرياضيات الوصول إلى نسبة منخفضة جدًا من دهون الجسم بحيث تصبح أقل من الحد الطبيعي من خلال تقليل تناول الطعام وخصوصا الدهون الصحية فقد تبدأ بعض الوظائف الهرمونية بالتأثر.

وقد يظهر ذلك على شكل اضطراب في الدورة الشهرية أو انقطاع الدورة (Amenorrhea) ويكون هذا الانقطاع بسبب انخفاض نسبة الدهون والطاقة. أي عندما لا يحصل الجسم على طاقة كافية مقارنة بما يستهلكه أثناء التدريب والوظائف الحيوية الأخرى.

ومع استمرار نقص الطاقة يمكن أن تتأثر الإشارات الهرمونية المسؤولة عن تنظيم الدورة الشهرية كما قد تتأثر صحة العظام. ولهذا ارتبطت هذه المشكلات بما يُعرف (Female Athlete Triad) التي تشمل انخفاض توافر الطاقة واضطرابات الدورة الشهرية وانخفاض صحة العظام.

لذلك فإن الوصول إلى جسم شديد النحافة أو محاولة خفض الدهون إلى مستويات منخفضة جدًا لا يعني بالضرورة الوصول إلى صحة أفضل بس العكس . فالجسم يحتاج إلى قدر كافي من الطاقة والدهون حتى يحافظ على وظائفه الطبيعية ومن بينها الوظيفة التناسلية.

الخلاصة

الدهون ليست شيئًا يجب أن نخاف منه لمجرد أنها تحتوي على سعرات حرارية أكتر من الكاربوهيدرات أو البروتين . فهي عنصر غذائي أساسي يحتاجه الجسم للقيام بالعديد من الوظائف الحيوية. لكن كما هو الحال مع أي عنصر غذائي المهم ليس فقط كمية ما نتناوله فقط وإنما نوعيته وكيفية تناوله .

و ببساطة الدهون ليست المشكلة بحد ذاتها المشكلة تكمن في الإفراط أو سوء الاختيار أو اتباع نظام غذائي لا يوفر للجسم ما يكفيه من الطاقة والعناصر الغذائية التي يحتاجها.

للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية

يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.

المصادر

Understanding Nutrition 2019

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9724109/pdf/nihms-

1853616.pdfhttps://my.clevelandclinic.org/health/articles/fats

scroll to top