القولون التقرحي: عندما يهاجم الجهاز الهضمي نفسه

يعد الجهاز الهضمي من أهم أجهزة الجسم إذ لا تقتصر وظيفته على هضم الطعام وامتصاص العناصر الغذائية بل يؤدي دورًا أساسيًا في دعم الجهاز المناعي والمحافظة على صحة الجسم بشكل عام.

ويعتمد أداء هذا الجهاز على التوازن بين بطانة الأمعاء والكائنات الدقيقة النافعة (الميكروبيوم) والتي تسهم في تنظيم عمليات الهضم والمناعة والاستجابة الالتهابية.

وعندما يختل هذا التوازن نتيجة عوامل وراثية أو مناعية أو بيئية  قد تظهر مجموعة من الأمراض الالتهابية المزمنة التي تؤثر في وظيفة الأمعاء وقدرتها على امتصاص العناصر الغذائية مما ينعكس على الحالة الصحية والتغذوية للمريض وجودة حياته.

ويواجه الجهاز الهضمي العديد من الاضطرابات التي تتفاوت في شدتها وتأثيرها. فمنها اضطرابات وظيفية مثل متلازمة القولون العصبي ومنها أمراض التهابية مزمنة مثل التهاب القولون التقرحي وداء كرون.

وتعد الأمراض الالتهابية المزمنة أكثر تعقيدًا لأنها ترتبط بخلل في الجهاز المناعي وتؤثر في سلامة بطانة الأمعاء. مما قد ينعكس على امتصاص العناصر الغذائية والحالة الصحية للمريض وجودة حياته.

بين النشاط والسكون: ماهو التهاب القولون التقرحي؟


يعرف التهاب القولون التقرحي بأنه حالة التهابية مزمنة تصيب الأمعاء الغليظة وهو يندرج تحت فئة أمراض الأمعاء الالتهابية.

ومن المهم جداً أن ندرك أن هذا المرض هو في الأساس اضطراب مناعي ذاتي .

وهذا يعني أن الجهاز المناعي الذي وظيفته الطبيعية هي الدفاع عن الجسم ضد الأجسام الغريبة. يرتكب خطأً ويبدأ في مهاجمة خلايا الجسم نفسها وكأنها أجسام غريبة.


وبسبب هذه الطبيعة المناعية يعيش المصاب بين حالتين متناقضتين :


١) حالة الهجوم (النشاط): وهي الفترة التي يهاجم فيها الجسم نفسه. مما يؤدي إلى ظهور التهابات شديدة وقروح في بطانة القولون تسبب أعراضاً مؤلمة مثل الإسهال الشديد والمزمن.


حالة الهدوء (السكون): وهي الفترة التي يتوقف فيها الجهاز المناعي عن شن هجماته. فيستعيد الجسم استقراره وتختفي الأعراض مؤقتاً مما يمنح الأمعاء فرصة للراحة.

الأعراض لالتهاب القولون التقرحي

تختلف أعراض التهاب القولون التقرحي باختلاف شدة الالتهاب ومدى انتشار الإصابة في القولون .

ومن أكثر الأعراض شيوعًا:

  • الإسهال المتكرر: ويعد من أبرز أعراض المرض وقد يكون كذلك مصحوبًا بالمخاط أو الدم نتيجة التهاب وتقرح بطانة القولون.
  • نزف المستقيم أو وجود دم في البراز: ويحدث بسبب تقرحات الغشاء المخاطي للقولون.
  • آلام وتقلصات البطن: تنتج عن الالتهاب وزيادة حركة الأمعاء وقد تزداد قبل التبرز وتخف بعده.
  • الإلحاح في التبرز والشعور بعدم اكتمال الإخراج (Tenesmus): ويعد من الأعراض الشائعة خاصةً عند إصابة المستقيم.
  • التعب والإرهاق وفقدان الوزن: ويحدث ذلك نتيجة الالتهاب المزمن وفقدان الشهية وضعف امتصاص العناصر الغذائية في بعض المرضى.
  • الجفاف واضطراب توازن السوائل والأملاح: قد يؤدي الإسهال المستمر إلى فقدان كميات كبيرة من السوائل والإلكتروليتات .

تأثير التغذية في مسار المرض والمضاعفات

تلعب التغذية دورًا مهمًا في دعم الحالة الصحية لمرضى التهاب القولون التقرحي. إلا أن الأدلة العلمية تشير إلى عدم وجود نظام غذائي واحد يناسب جميع المرضى .

وكذلك قد يلاحظ بعض المرضى أن أنواعًا معينة من الأطعمة تزيد من شدة أعراضهم خلال فترات نشاط المرض!

لذلك ينصح بتحديد الأغذية المحفزة بصورة فردية من خلال الاحتفاظ بسجل أو مذكرة غذائية .يتم فيها تدوين أنواع الأطعمة المتناولة والأعراض التي تظهر بعد تناولها.

وتساعد هذه الطريقة على التعرف إلى الأطعمة التي قد تزيد من حدة الأعراض لدى كل مريض. مع العلم أن هذه الأطعمة تختلف من شخص لآخر ولا توجد قائمة موحدة تنطبق على جميع المرضى.

كذلك قد يؤدي استمرار نشاط الالتهاب مع انخفاض المدخول الغذائي إلى الإصابة بسوء التغذية .وهو من المضاعفات الشائعة لدى مرضى التهاب القولون التقرحي وينتج عن فقدان الشهية والإسهال المزمن وفقدان الدم وازدياد احتياجات الجسم الغذائية أثناء الالتهاب.

وقد يترتب على ذلك نقص في الحديد وفيتامين (D) وحمض الفوليك وبعض العناصر المعدنية إضافةإلى انخفاض الوزن والكتلة العضلية.

وقد تستدعي الحالات الشديدة أو غير المستجيبة للعلاج الدوائي اللجوء إلى التدخل الجراحي :

مثل استئصال القولون وذلك وفق تقييم الطبيب المختص وشدة المرض ووجود المضاعفات .

أهمية التغذية خلال فترات الهدوء

تعد فترة هدوء المرض (Remission) فرصة مهمة لتحسين الحالة الغذائية للمريض وتعويض أي نقص في العناصر الغذائية.

وذلك من خلال اتباع نظام غذائي متوازن يوفّر احتياجات الجسم من الطاقة والبروتين والفيتامينات والمعادن.

ويساعد ذلك في الحفاظ على الكتلة العضلية ودعم المناعة مما يهيئ الجسم بصورة أفضل لمواجهة فترات نشاط المرض.

وخلال نوبات النشاط قد يعاني المريض من آلام البطن والإسهال وفقدان الشهية مما يؤدي إلى انخفاض كمية الطعام المتناولة وصعوبة تلبية الاحتياجات الغذائية اليومية.

لذلك يعد الاهتمام بالتغذية خلال فترات الهدوء جزءًا مهمًا من الخطة العلاجية لأنه يساعد في تقليل خطر سوء التغذية وتعويض النقص الذي قد يحدث أثناء النوبات.

لذلك ينصح خلال هذه المرحلة بالتركيز على الحصول على كمية كافية من البروتين لتلبية احتياجات الجسم ودعم تجدد الأنسجة حيث تبلغ الاحتياجات البروتينية لدى المرضى المستقرين تقريبًا 1 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا مع الحرص على تعويض أي نقص في الفيتامينات أو المعادن .

أهمية التغذية خلال فترات الهجوم

تهدف التدخلات الغذائية خلال فترة نشاط التهاب القولون التقرحي إلى محاولة السيطرة على الأعراض وتعويض فقدان السوائل والعناصر الغذائية مع المحافظة على تلبية احتياجات الجسم من الطاقة والبروتين قدر الإمكان.

خلال هذه المرحلة تزداد احتياجات الجسم من البروتين نتيجة ارتفاع الاستجابة الالتهابية وزيادة فقدان البروتين.

لذلك يُنصح غالبًا بزيادة المدخول ليصل إلى حوالي 1.2–1.5 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا وذلك للمساعدة في الحفاظ على الكتلة العضلية مع تعديل الكمية حسب الحالة التغذوية وشدة المرض وتقييم اختصاصي التغذية.

الترطيب وتعويض السوائل:
يؤدي الإسهال المتكرر إلى فقدان كميات من الماء والأملاح لذلك يُعد تعويض السوائل خطوة أساسية خلال هذه المرحلة.

ويُنصح بتناول كميات كافية من السوائل المناسبة مثل الماء والشوربات مع تجنب المشروبات التي قد تزيد من الإسهال لدى بعض المرضى.

تحديد الأطعمة المحفزة للأعراض:
قد يلاحظ بعض المرضى أن أطعمة معينة تزيد من شدة الأعراض خلال فترة النشاط لذلك يُنصح بتحديد هذه الأطعمة بشكل فردي من خلال متابعة العلاقة بين الطعام والأعراض باستخدام سجل غذائي.

ومن الأمثلة على بعض المواد التي قد تزيد الإسهال لدى بعض الأشخاص السوربيتول الموجود في بعض العلكات والمنتجات الخالية من السكر.

تناول وجبات صغيرة ومتكررة:
قد يساعد تقسيم الوجبات إلى كميات صغيرة ومتعددة خلال اليوم على تحسين القدرة على تناول الطعام وتقليل الشعور بعدم الراحة .

الدعم الغذائي في الحالات الشديدة:
في حالات الالتهاب الشديد أو عند عدم قدرة المريض على تلبية احتياجاته الغذائية عن طريق الفم قد يلجأ الفريق الطبي إلى أشكال من الدعم الغذائي مثل التغذية المعوية أو الوريدية حسب حالة المريض ودرجة شدة المرض بهدف توفير الاحتياجات الغذائية ودعم التعافي.

مواقع امتصاص العناصر الغذائية في الجهاز الهضمي

توضح الصورة أعلاه أجزاء الجهاز الهضمي المختلفة والعناصر التي يتم امتصاصها في كل جزء:

الأجزاء العلويّة (المريء، المعدة، والأمعاء الدقيقة: الاثني عشر، الصائم، واللفائفي): تتولى امتصاص المعظم الأكبر من الفيتامينات (مثل فيتامين C, B12, A, D, E, K) والمعادن (مثل الحديد، الكالسيوم، المغنيسيوم)، والبروتينات، والدهون.

القولون / الأمعاء الغليظة (Large Intestine): هو الجزء المخصص لامتصاص الماء، والصوديوم، والبوتاسيوم، والكلورايد، وفيتامين K، البيوتين، والأحماض الدهنية قصيرة السلسلة.

ما الذي يتأثر عند الإصابة بالتهاب القولون القرحي؟

بما أن مرض التهاب القولون القرحي يؤثر بشكل رئيسي ومباشر على القولون والمستقيم:

  1. اضطراب امتصاص السوائل والأملاح: يؤدي التهاب القولون إلى ضعف قدرته على امتصاص الماء والصوديوم والبوتاسيوم. مما يسبب الإسهال المستمر والجفاف ونقص الإلكتروليتات.
  2. نقص بعض الفيتامينات: يتأثر امتصاص فيتامين K والبيوتين التي تصنعها وتصفيها الأمعاء الغليظة.

مملاحظة هامة عن باقي الأجزاء: الأجزاء الأولى من الأمعاء الدقيقة لا تتأثر بالتهاب القولون القرحي المباشر (خلافاً لمرض كرونز). لكن قد يحدث نقص عام في المغذيات بسبب فقدان الشهية أو سوء التغذية الناتج عن أعراض المرض

الخلاصة

يُعد التهاب القولون التقرحي مرضًا التهابيًا مزمنًا يؤثر في صحة الجهاز الهضمي وجودة حياة المريض. ويتطلب إدارة مستمرة تجمع بين العلاج الطبي والتغذية المناسبة.

وتلعب التغذية دورًا مهمًا في دعم الجسم خاصةً من خلال الحفاظ على الاحتياجات من الطاقة والبروتين والعناصر الغذائية خلال فترات الهدوء وتعويض السوائل وتقليل الأعراض خلال فترات نشاط المرض.

لذلك فإن اتباع خطة غذائية مناسبة لكل حالة إلى جانب المتابعة الطبية يساعد في تحسين السيطرة على المرض وتقليل خطر المضاعفات

للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية

يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.

المصادر:

https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1002/jpn3.70097

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9231317

https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/37359553

Nutrition Therapy &Pathophysiology FOURTH EDITION

scroll to top