عندما تُذكر كلمة ذرة غالبًا ما نتخيل حبات الذرة الصفراء المعروفة بلونها الذهبي. لكن الذرة لا تقتصر على هذا اللون فهناك أنواع وأصناف أخرى تختلف في ألوانها وتركيبتها.
ومن بينها الذرة البنفسجية التي تتميز بلونها الداكن اللافت. ولا يعود هذا اللون إلى مجرد اختلاف في المظهر.
بل يرتبط بوجود مركبات نباتية طبيعية أبرزها (Anthocyanins ) وهي مركبات تنتمي إلى مجموعة (Polyphenols) وتوجد أيضًا في العديد من الفواكه والخضروات ذات الألوان الحمراء والبنفسجية والزرقاء.
ولهذا في هذه المقالة سنستعرض ما الذي يميز الذرة البنفسجية عن الذرة الصفراء المعتادة؟ وما الذي تضيفه هذه المركبات إلى قيمتها الغذائية؟
ما هي الذرة البنفسجية؟ وأين نشأت؟
عندما نتحدث عن الذرة البنفسجية فنحن لا نتحدث عن نوع حديث أو نبات جرى تعديله وراثيًا .بل عن أحد أنواع الذرة التقليدية التي عُرفت منذ آلاف السنين. تعود أصولها إلى منطقة جبال الأنديز في أمريكا الجنوبية وخصوصًا البيرو حيث عُرفت لدى سكان المنطقة الأصليين من شعب الكيشوا باسم K’culli.
تنتمي الذرة البنفسجية إلى عائلة (Poaceae) وهي العائلة نفسها التي تنتمي إليها أنواع الذرة الأخرى. ورغم تشابهها مع الذرة الصفراء في كثير من خصائص النمو والشكل. فإنها تتميز بلون حباتها وقوالبها الذي يتراوح من البنفسجي الداكن إلى درجات قريبة من الأسود. ويرتبط هذا اللون بارتفاع محتواها من (Anthocyanins) وهي مركبات نباتية طبيعية تنتمي إلى مجموعة (Polyphenols).
وللذرة البنفسجية تاريخ طويل في المطبخ والثقافة في منطقة الأنديز. حيث استُخدمت في تحضير العديد من الأطعمة والمشروبات التقليدية .ومن أشهرها Chicha Morada وهو مشروب تقليدي يُحضّر من الذرة البنفسجية مع الفواكه والتوابل.
ومع مرور الوقت انتقلت زراعتها واستخداماتها إلى مناطق أخرى من العالم وأصبحت موضع اهتمام متزايد بسبب محتواها من المركبات النباتية وخاصة (Anthocyanins) .

أين توجد المركبات النباتية في الذرة البنفسجية؟
قد نعتقد أن اللون البنفسجي الذي نراه في الذرة موجود فقط على سطح الحبة. لكن الحقيقة أن المركبات النباتية تتوزع في أكثر من جزء من الذرة وتختلف كمياتها من جزء إلى آخر. ولكل جزء أهميته فيما يتعلق بوجود هذه المركبات والاستفادة منها.
1. غلاف الحبة (Pericarp)
وهو الطبقة الخارجية التي تغطي حبة الذرة ويُعد من أهم الأجزاء التي تتركز فيها ا(Anthocyanins).
وتكمن أهمية هذه المركبات في أنها من مضادات الأكسدة التي تساعد على حماية الخلايا من تأثير الجزيئات غير المستقرة المعروفة بالجذور الحرة. كما أنها المسؤولة بشكل أساسي عن اللون البنفسجي المميز للذرة.
2. طبقة الأليرون (Aleurone Layer)
تقع هذه الطبقة أسفل الغلاف الخارجي للحبة، وتحتوي أيضًا على الأنثوسيانينات ومركبات نباتية أخرى. لذلك فهي تضيف إلى محتوى الحبة من المركبات المضادة للأكسدة، ولا يقتصر وجود هذه المركبات على الطبقة الخارجية فقط.
3. كوز الذرة (Cob)
قد يبدو كوز الذرة مجرد جزء نتخلص منه بعد إزالة الحبات. لكنه يحتوي هو الآخر على الأنثوسيانينات ومركبات فينولية أخرى. وتكمن أهميته في أنه يمكن أن يكون مصدرًا غنيًا بهذه المركبات. لذلك يدرس الباحثون إمكانية الاستفادة منه بدل التخلص منه كمخلف زراعي.
4. حرير الذرة والغلاف الخارجي (Silk & Husk)
حتى الأجزاء التي لا نتناولها عادةً مثل حرير الذرة والأوراق التي تغطي الكوز تحتوي على عدد من المركبات النباتية ومنها المركبات الفينولية. وهذا يجعلها محل اهتمام الباحثين لدراسة إمكانية الاستفادة منها في إنتاج مكونات أو مستخلصات غذائية غنية بالمركبات النباتية.

التركيبة الكيميائية: ما الذي يجعل الذرة البنفسجية مميزة؟
لا تتميز الذرة البنفسجية عن الذرة الصفراء بسبب اللون فقط. بل يرتبط هذا اللون بوجود مجموعة من المركبات النباتية النشطة (Bioactive Compounds) وأبرزها الأنثوسيانينات (Anthocyanins). وتُعد هذه المركبات جزءًا من عائلة البوليفينولات (Polyphenols) وهي مجموعة من المركبات الطبيعية الموجودة في العديد من النباتات والأطعمة ذات الألوان المختلفة.
وتهمنا هذه المركبات لأنها لا تمنح الذرة لونها البنفسجي فحسب. بل تمتلك أيضًا خصائص مضادة للأكسدة ولهذا يدرس الباحثون دورها وتأثيراتها المحتملة في الجسم.
(Anthocyanins)
الأنثوسيانينات هي الصبغات النباتية المسؤولة بشكل أساسي عن اللون البنفسجي المميز للذرة. ومن أهم ما يميزها أنها تعمل كمضادات للأكسدة أي أنها تستطيع المساهمة في تقليل تأثير بعض الجزيئات غير المستقرة التي قد تسبب ضررًا للخلايا عند زيادتها.
وتحتوي الذرة البنفسجية على عدة أنواع من Anthocyanins من أبرزها:
- (Cyanidin-3-O-glucoside / C3G): يُعد من أكثر Anthocyanins شيوعًا في الذرة البنفسجية. وقد حظي باهتمام الباحثين بسبب خصائصه المضادة للأكسدة ودوره المحتمل في حماية الخلايا من الإجهاد التأكسدي.
- (Pelargonidin-3-O-glucoside) و (Peonidin-3-O-glucoside): وهما أيضًا من أنواع الأنثوسيانينات الموجودة في الذرة البنفسجية ويساهمان في محتواها من المركبات النباتية ذات الخصائص المضادة للأكسدة
- (Malonylated derivatives): وهي أشكال مرتبطة كيميائيًا بالأنثوسيانينات. وقد تساعد هذه التعديلات على جعل بعض الصبغات أكثر استقرارًا خصوصًا عند تعرضها للحرارة أو ظروف المعالجة المختلفة. وهذا الأمر مهم عند دراسة إمكانية استخدام الذرة البنفسجية كمصدر طبيعي للألوان والمركبات النباتية.
الأحماض الفينولية والمركبات النباتية الأخرى
لا تحتوي الذرة البنفسجية على الأنثوسيانينات وحدها .بل تضم أيضًا مجموعة من الأحماض الفينولية (Phenolic acids) ومركبات نباتية أخرى من بينها حمض الفيروليك (Ferulic acid) وحمض الكافيك (Caffeic acid) والكيرسيتين (Quercetin).
وتتميز هذه المركبات بخصائص مضادة للأكسدة وقد تعمل معًا بطرق مختلفة داخل النبات. لذلك يهتم الباحثون بدراسة تأثير وجود مجموعة متنوعة من المركبات النباتية معًا بدل التركيز على مركب واحد فقط.
ومع ذلك لا يعني وجود هذه المركبات أن الذرة البنفسجية تعالج الأمراض فما زالت قوة الأدلة تختلف بحسب نوع المركب والدراسة وما إذا كانت النتائج ظهرت في المختبر أو في الإنسان.
ماذا تقول الدراسات عن فوائد الذرة البنفسجية؟
يعود جزء كبير من الاهتمام بالذرة البنفسجية إلى محتواها من الأنثوسيانينات والمركبات الفينولية. وقد درست الأبحاث تأثير هذه المركبات في عدد من العمليات المرتبطة بالصحة. لكن من المهم التفريق بين النتائج التي ظهرت في المختبر أو على الحيوانات وبين الفوائد التي ثبتت لدى الإنسان.
1. مقاومة الإجهاد التأكسدي
تعمل الأنثوسيانينات وبعض المركبات الفينولية كمضادات للأكسدة أي أنها تستطيع التفاعل مع بعض الجزيئات غير المستقرة التي قد تسبب ضررًا للخلايا عند زيادتها.
وأظهرت بعض الدراسات التجريبية أن مستخلصات الذرة البنفسجية قد تؤثر في أنظمة الدفاع المضادة للأكسدة في الجسم مثل إنزيمات SODوGPx، وقد تساعد في خفض بعض مؤشرات الإجهاد التأكسدي مثل MDA.
لكن هذه النتائج لا تعني تلقائيًا أن تناول الذرة البنفسجية يحمي الإنسان من أمراض معينة. إذ ما زالت هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات البشرية لتحديد حجم هذا التأثير.
2. علاقتها بسكر الدم
اهتم الباحثون أيضًا بدراسة تأثير مركبات الذرة البنفسجية في تنظيم سكر الدم. ففي بعض الدراسات المخبرية والحيوانية أظهرت هذه المركبات قدرة على التأثير في إنزيمات هضم الكربوهيدرات :مثل α-glucosidase وα-amylase وهي إنزيمات تساعد على تحويل النشويات إلى سكريات أبسط يمكن امتصاصها.
كما دُرست تأثيراتها المحتملة في مسارات خلوية مرتبطة باستخدام الجلوكوز مثل AMPK وGLUT4.
هذه النتائج تفتح المجال لدراسة دور الذرة البنفسجية ومركباتها في صحة الأيض لكنها لا تعني أنها علاج لمرض السكري أو بديل عن العلاج الطبي.
3. علاقتها بتراكم الدهون
درست الأنثوسيانينات ومركبات الذرة البنفسجية أيضًا لمعرفة تأثيرها في تكوين الخلايا الدهنية وتراكم الدهون. وتشير بعض الدراسات المخبرية والحيوانية إلى إمكانية تأثير هذه المركبات في مسارات مرتبطة بتكوين الخلايا الدهنية، ومنها PPAR-γ.
وقد تساعد هذه التأثيرات في تفسير سبب اهتمام الباحثين بدراسة الذرة البنفسجية ضمن أبحاث السمنة وصحة الأيض .لكن لا يمكن اعتبارها وسيلة مثبتة لإنقاص الوزن لدى الإنسان.
4. التأثيرات المرتبطة بالالتهاب
توجد أيضًا أبحاث تبحث في قدرة مستخلصات الذرة البنفسجية ومركباتها على التأثير في بعض المسارات المرتبطة بالالتهاب ومنها NF-κBوJNK.
وفي الدراسات التجريبية ارتبط ذلك بانخفاض بعض المؤشرات والمواد المرتبطة بالاستجابة الالتهابية مثل TNF-α وIL-6.
لكن مرة أخرى هذه النتائج تعكس ما يحدث في نماذج تجريبية ولا تعني أن تناول الذرة البنفسجية يعالج الالتهابات أو الأمراض الالتهابية لدى الإنسان.
5. صحة القلب والأوعية الدموية
نظرًا إلى خصائص الأنثوسيانينات والمركبات الفينولية المضادة للأكسدة يبحث العلماء أيضًا في علاقتها بصحة القلب والأوعية الدموية. وتشير بعض الدراسات إلى تأثيرات محتملة في ضغط الدم، ووظيفة الأوعية الدموية، وأكسدة الدهون.
لكن قوة الدليل تختلف بين الدراسات ولذلك من الأدق اعتبار الذرة البنفسجية غذاءً غنيًا بالمركبات النباتية يمكن أن يكون جزءًا من نمط غذائي صحي وليس علاجًا لأمراض القلب.
ماذا عن السرطان؟
من أكثر النتائج التي قد تلفت الانتباه في الدراسات المخبرية أن بعض مركبات الذرة البنفسجية أظهرت قدرة على التأثير في نمو بعض الخلايا السرطانية ومنها التأثير في عملية الموت المبرمج للخلايا (Apoptosis).
لكن هذه النتائج جاءت بشكل أساسي من دراسات مخبرية وتجارب على نماذج حيوانية ولا تعني أن تناول الذرة البنفسجية يمنع السرطان أو يعالجه لدى الإنسان. لذلك من المهم عدم تحويل هذه النتائج المبكرة إلى نتائج علاجية.
كيف تُستخدم الذرة البنفسجية اليوم؟
لم تعد الذرة البنفسجية مرتبطة فقط بالأطعمة والمشروبات التقليدية. بل أصبحت موضع اهتمام في عدد من التطبيقات الغذائية ويرجع ذلك بشكل خاص إلى لونها الطبيعي ومحتواها من المركبات النباتية.
- لأغذية والمشروبات: يمكن استخدام الذرة البنفسجية أو مستخلصاتها في بعض المنتجات الغذائية والمشروبات. كذلك يمكن الاستفادة من صبغاتها الطبيعية لإعطاء المنتجات ألوانًا حمراء أو بنفسجية
- الأغذية الوظيفية: تدرس إمكانية إدخال مستخلصات الذرة البنفسجية الغنية بالأنثوسيانينات في بعض المنتجات التي تهدف إلى زيادة محتواها من المركبات النباتية.
- المكملات الغذائية: توجد مستخلصات من الذرة البنفسجية في صورة مساحيق أو مكملات في بعض الأسواق. لكن وجودها كمكمل لا يعني تلقائيًا أن فوائدها العلاجية مثبتة أو أنها مناسبة للجميع.
- الاستخدامات التجميلية: تدرس بعض مستخلصات الذرة البنفسجية ومركباتها في مجال مستحضرات العناية بالبشرة بسبب خصائصها المضادة للأكسدة لكن كثيرًا من هذه الاستخدامات ما زال ضمن نطاق البحث والتطوير.
الخلاصة
الذرة البنفسجية ليست مجرد ذرة بلون مختلف فهذا اللون يرتبط بوجود مجموعة من المركبات النباتية وعلى رأسها الأنثوسيانينات إلى جانب الأحماض الفينولية ومركبات أخرى.
وقد أظهرت هذه المركبات نتائج واعدة في الدراسات المخبرية والحيوانية فيما يتعلق بالإجهاد التأكسدي وتنظيم سكر الدم والالتهاب وصحة الأوعية الدموية.
لكن من المهم أن نضع هذه النتائج في سياقها الصحيح وجود مركبات مفيدة في الغذاء لا يعني أن هذا الغذاء يصبح علاجًا للمرض.
وما زالت الحاجة قائمة إلى دراسات بشرية أكثر لتحديد مقدار الفائدة التي يمكن أن نحصل عليها من تناول الذرة البنفسجية ضمن النظام الغذائي.
ومع ذلك فإنها تبقى مثالاً مثيراً للاهتمام على تنوّع الأغذية النباتية وكيف يعكس اللون الطبيعي وجود مركبات حيوية ذات خصائص مختلفة.
المصادر
https://www.mdpi.com/2218-0532/91/1/6
https://www.frontiersin.org/journals/plant-science/articles/10.3389/fpls.2023.1154535/full
https://www.mdpi.com/1420-3049/27/16/5222
للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية
يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.
- رقم واتساب العيادة: 00962795581329
- موقع العيادة الالكتروني: www.samaraketolife.com

