هل يغيّر الالتهاب طريقة تعامل الجسم مع الغذاء؟

عندما نسمع كلمة الالتهاب بنفكر مباشرة في الألم أو التورم أو ارتفاع درجة الحرارة وهي علامات قد تظهر عندما يحاول الجسم مواجهة عدوى أو إصابة. لكن تأثير الالتهاب لا يقتصر على الأعراض التي نشعر بها فقد يمتد في بعض الحالات ليؤثر في الشهية والكتلة العضلية والطريقة التي يتعامل بها الجسم مع العناصر الغذائية التي نحصل عليها من الطعام.

فعندما يمرض الإنسان قد يلاحظ أنه لم يعد يشعر بالجوع كالمعتاد أو أنه يأكل كميات أقل بسبب التعب أو فقدان الشهية. وإذا استمرت هذه الحالة فترة طويلة فقد لا يحصل الجسم على الطاقة والبروتين اللذين يحتاجهما للمحافظة على العضلات والأنسجة. وفي بعض الأمراض قد يؤثر الالتهاب أيضًا في الطريقة التي ينظّم بها الجسم استخدام بعض العناصر الغذائية حتى عندما يكون الطعام متوفرًا.

ومن الأمثلة على ذلك الحديد وهو عنصر يحتاجه الجسم لإنتاج الهيموغلوبين البروتين الموجود في خلايا الدم الحمراء والمسؤول عن نقل الأكسجين إلى الأنسجة. فعند حدوث الالتهاب يستطيع الجسم زيادة إنتاج مادة تساعد على تقليل كمية الحديد المتاحة في الدم. وتُعد هذه الاستجابة جزءًا من طريقة تعامل الجسم مع المرض لكنها قد تساهم في ظهور فقر الدم المرتبط بالالتهاب في بعض الحالات.

وتشير الأبحاث العلمية إلى أن العلاقة بين الالتهاب والتغذية متبادلة فالالتهاب قد يؤثر في الشهية واستخدام العناصر الغذائية بينما يمكن أن يؤدي استمرار نقص الغذاء والطاقة إلى إضعاف قدرة الجسم على التعافي والمحافظة على أنسجته. ومع ذلك تختلف هذه التأثيرات بحسب سبب الالتهاب وشدته ومدة استمراره والحالة الصحية للشخص.

فكيف تحدث هذه التغيرات داخل الجسم؟ وهل يمكن أن يؤثر الالتهاب في استفادتنا من الغذاء حتى عندما نتناول طعامًا متوازنًا؟

كيف يؤثر الالتهاب في وظائف الجسم؟

عندما يتعرض الجسم لعدوى أو إصابة يبدأ بإطلاق استجابة دفاعية تساعده على مواجهة السبب والبدء في إصلاح الأنسجة المتضررة. وخلال هذه الاستجابة يفرز الجسم مواد تُعرف باسم  (Cytokines) وهي رسائل كيميائية تساعد الخلايا على التواصل وتنظيم عمل الجهاز المناعي.

هذه المواد لا تقتصر وظيفتها على تنشيط الدفاعات المناعية بل يمكنها أيضًا التأثير في وظائف أخرى مثل الشهية وتنظيم استخدام الطاقة والبروتينات داخل الجسم. ولهذا قد يشعر الشخص المصاب بمرض حاد بالتعب أو فقدان الشهية حتى لو لم يكن المرض يؤثر مباشرة في الجهاز الهضمي.

عادةً ما تكون هذه التغيرات جزءًا من استجابة الجسم المؤقتة للمرض. لكن عندما يستمر الالتهاب مدة طويلة كما يحدث في بعض الأمراض المزمنة فقد تصبح تأثيراته أكثر وضوحًا خصوصًا إذا ترافق مع قلة تناول الطعام أو زيادة احتياجات الجسم الغذائية.

وهنا تبدأ العلاقة بين الالتهاب والتغذية بالظهور إذ يمكن أن يؤثر الالتهاب في كمية الطعام التي نتناولها وفي طريقة استخدام الجسم لبعض العناصر الغذائية.

كيف يؤثر الالتهاب في الشهية والكتلة العضلية؟

قد يلاحظ الشخص أثناء المرض أنه لا يشعر بالجوع كالمعتاد أو أنه يتناول كميات أقل من الطعام بسبب التعب أو الغثيان. وقد تكون هذه التغيرات مرتبطة بمواد يفرزها الجسم خلال الاستجابة الالتهابية إذ يمكن أن تؤثر في الإشارات التي تنظم الشهية وتناول الطعام.

وتكمن المشكلة عندما يستمر فقدان الشهية فترة طويلة فالجسم يحتاج إلى الطاقة والبروتين للمحافظة على العضلات وتجديد الأنسجة. وإذا لم يحصل على كفايته منهما فقد يبدأ باستخدام جزء من مخزون الطاقة والأنسجة لتلبية احتياجاته.

وفي بعض الأمراض المزمنة لا يرتبط فقدان العضلات بقلة تناول الطعام وحدها بل قد يؤثر الالتهاب نفسه في التوازن بين بناء البروتينات داخل العضلات وتكسيرها. وعندما يستمر هذا التأثير قد يفقد الشخص جزءًا من كتلته العضلية خصوصًا إذا ترافق الالتهاب مع ضعف الشهية وقلة الحركة.

لذلك لا تقتصر أهمية التغذية أثناء المرض على توفير السعرات الحرارية فقط بل تشمل أيضًا الحصول على كمية مناسبة من البروتين والطاقة لدعم العضلات والتعافي. وتختلف الاحتياجات بحسب حالة الشخص وشدة المرض ولهذا قد يحتاج بعض المرضى إلى تقييم غذائي وخطة تناسب حالتهم.

كيف يؤثر الالتهاب في الحديد داخل الجسم؟

يحتاج الجسم إلى الحديد لإنتاج الهيموغلوبين وهو البروتين الموجود في خلايا الدم الحمراء والمسؤول عن نقل الأكسجين إلى أنحاء الجسم. لكن الاستفادة من الحديد لا تعتمد فقط على الكمية التي نتناولها من الطعام بل تتأثر أيضًا بكيفية تنظيم الجسم لحركته واستخدامه.

عندما يحدث التهاب يستطيع الجسم زيادة إنتاج مادة تُسمى (Hepcidin) وهي مادة ينتجها الكبد وتساعد على تنظيم كمية الحديد المتاحة في الدم. وعندما يرتفع مستواها تقل قدرة الجسم على نقل الحديد من الأمعاء إلى الدم كما يقل إطلاق الحديد المخزّن في بعض الخلايا.

يمكن فهم ذلك على أنه محاولة من الجسم لإعادة تنظيم توزيع الحديد خلال الالتهاب لكن استمرار هذه الحالة قد يقلل كمية الحديد المتاحة لتكوين خلايا الدم الحمراء ويساهم في حدوث فقر الدم المرتبط بالالتهاب خاصة لدى بعض المصابين بالأمراض المزمنة.

ولهذا قد تظهر لدى الشخص تغيرات في تحاليل الحديد لا تعني بالضرورة أنه لا يتناول ما يكفي منه. فقد يكون الحديد موجودًا في مخازن الجسم لكن الالتهاب يؤثر في إتاحته للاستخدام. ومع ذلك قد يجتمع فقر الدم المرتبط بالالتهاب مع نقص الحديد الحقيقي لذلك يحتاج تفسير التحاليل إلى النظر في أكثر من مؤشر وليس الاعتماد على نتيجة واحدة فقط.

وهنا تظهر أهمية معرفة السبب قبل تناول مكملات الحديد لأن العلاج المناسب يعتمد على ما إذا كانت المشكلة ناتجة:

  • عن نقص الحديد
  • أو الالتهاب
  • أو كليهما معًا.

هل يمكن للغذاء أن يقلل الالتهاب؟

تلعب التغذية دورًا مهمًا في دعم صحة الجسم لكن تأثيرها لا يعتمد على تناول نوع واحد من الطعام بل على النمط الغذائي بشكل عام. فالنظام الذي يتضمن :

  • الخضراوات
  • والفواكه
  • والبقوليات
  • والحبوب الكاملة
  • والمكسرات
  • ومصادر الدهون غير المشبعة ي

وفّر مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية والمركبات النباتية التي قد تساهم في دعم تنظيم الاستجابة الالتهابية.

في المقابل يرتبط الاعتماد المستمر على:

  • الأنماط الغذائية منخفضة الجودة
  • والأطعمة شديدة المعالجة
  • والسكريات المضافة
  • والدهون غير الصحية

بنتائج صحية أقل ملاءمة في عدد من الدراسات. ومع ذلك لا يمكن اعتبار كل طعام مُصنّع ضارًا ولا يعني تناول طعام معين أن الالتهاب سيزداد أو ينخفض بصورة مباشرة.

ومن المهم أيضًا التمييز بين دعم الصحة على المدى الطويل وعلاج الالتهاب الناتج عن مرض محدد. فالغذاء المتوازن قد يكون جزءًا من الرعاية الصحية لكنه لا يعالج وحده جميع أسباب الالتهاب ولا يغني عن الأدوية أو المتابعة الطبية .

لذلك بدل البحث عن طعام واحد يُوصف بأنه يساعد في تقليل للالتهاب من الأفضل التركيز على نمط غذائي متوازن ومتنوع مع الحصول على الطاقة والبروتين والعناصر الغذائية التي يحتاجها الجسم.

الخلاصة

تتجاوز العلاقة بين الالتهاب والتغذية مجرد تأثير الطعام في صحة الجسم. فالالتهاب نفسه قد يؤثر في الشهية والمحافظة على العضلات وطريقة تنظيم بعض العناصر الغذائية واستخدامها. وقد تظهر هذه التأثيرات بوضوح أكبر عندما يستمر الالتهاب أو يرتبط بأمراض مزمنة.

لذلك فإن الاهتمام بالتغذية المتوازنة والحصول على الطاقة والبروتين والعناصر الغذائية الكافية. يساعد على دعم احتياجات الجسم لكنه لا يغني عن معرفة سبب الالتهاب وعلاجه عند الحاجة. ففهم ما يحدث داخل الجسم هو الخطوة الأولى للتعامل مع المشكلة بطريقة صحيحة بدل التركيز على الطعام وحده.

للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية

يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.

كتبت المقالة بواسطة هديل قنديل أخصائية التغذية العلاجية.

المصادر

https://www.mdpi.com/2072-6643/15/5/1159

https://aspenjournals.onlinelibrary.wiley.com/doi/epdf/10.1002/jpen.2534

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC5846300

scroll to top