تُعد أمراض القلب والأوعية الدموية من المشكلات الصحية التي تتأثر بمجموعة من العوامل مثل :
- ارتفاع ضغط الدم
- التدخين
- قلة النشاط البدني
لكن الجسم يحمل في داخله مؤشرات أخرى قد ترتبط بصحة الأوعية الدموية حتى لو لم تكن معروفة لدى كثير من الناس ومن بينها مادة تُسمّى الهوموسيستين (Homocysteine).
ينتج الهوموسيستين بصورة طبيعية خلال عمليات الأيض التي تحدث في الجسم ولا يُعد وجوده بحد ذاته أمرًا ضارًا. لكن ارتفاع مستواه في الدم لفت انتباه الباحثين بعد أن أظهرت دراسات وجود علاقة بينه وبين زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وقد دفع ذلك العلماء إلى دراسة تأثيره المحتمل في الأوعية الدموية ودوره في عمليات تخثر الدم والعوامل التي قد تؤدي إلى ارتفاعه.
وتزداد أهمية هذا الموضوع من الناحية التغذوية بسبب ارتباط الهوموسيستين ببعض الفيتامينات خصوصًا :
- الفولك (فيتامين B9)
- فيتامين B6
- فيتامين B12
التي تساعد الجسم على التعامل معه وتحويله إلى مواد أخرى .ومن هنا ظهرت تساؤلات حول إمكانية الاستفادة من هذه الفيتامينات في خفض مستواه وما إذا كان ذلك ينعكس فعلًا على صحة القلب.
لكن العلاقة بين الهوموسيستين وأمراض القلب ليست بهذه البساطة فوجود ارتباط بين ارتفاع مستواه وزيادة خطر المرض لا يعني بالضرورة أنه السبب المباشر كما أن خفضه لا يضمن تلقائيًا الوقاية من النوبات القلبية.
فما الهوموسيستين تحديدًا؟ وكيف يتعامل معه الجسم؟ وماذا تقول الدراسات العلمية عن علاقته بصحة القلب والأوعية الدموية؟
ما هو الهوموسيستين (Homocysteine)؟
الهوموسيستين هو حمض أميني يحتوي على الكبريت ينتج داخل الجسم خلال عملية تكسير الميثيونين (Methionine) وهو حمض أميني نحصل عليه من البروتينات الموجودة في أطعمة مثل اللحوم والأسماك والبيض وبعض منتجات الألبان. لذلك فإن تكوّن الهوموسيستين يُعد جزءًا طبيعيًا من عمليات الأيض وليس مادة غريبة عن الجسم.
في الظروف الطبيعية لا يتراكم الهوموسيستين بكميات كبيرة إذ يستطيع الجسم إعادة استخدامه في تكوين الميثيونين أو تحويله إلى السيستين (Cysteine). وتعتمد هذه العمليات على توافر عدد من الفيتامينات أبرزها الفولات (فيتامين B9) وفيتامين B12 وفيتامين B6 التي تساعد الإنزيمات المسؤولة عن هذه التحويلات على أداء وظائفها.
عندما لا تتوافر كميات كافية من هذه الفيتامينات أو عند وجود بعض الحالات الصحية أو العوامل الوراثية التي تؤثر في عملية الأيض قد ترتفع مستويات الهوموسيستين في الدم. ومع ذلك فإن ارتفاعه لا يعني بالضرورة وجود مرض في القلب بل هو مؤشر يحتاج إلى تفسير في ضوء الحالة الصحية والعوامل الأخرى المؤثرة.
ومن هنا بدأ الاهتمام بدراسة الهوموسيستين ليس فقط لفهم أسباب ارتفاعه بل أيضًا لمعرفة ما إذا كان ارتفاعه يؤثر بصورة مباشرة في الأوعية الدموية أم أنه يرتبط بعوامل أخرى تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.
كيف يرتبط ارتفاع الهوموسيستين بأمراض القلب والأوعية الدموية؟
تشير الأبحاث إلى أن ارتفاع الهوموسيستين قد يؤثر في بطانة الأوعية الدموية وهي الطبقة الرقيقة التي تبطّن الأوعية من الداخل وتساعد على تنظيم تمددها وتضيّقها كما تسهم في الحفاظ على توازن عملية تخثر الدم. وعندما تتأثر وظيفة هذه البطانة قد تصبح الأوعية أقل قدرة على أداء دورها الطبيعي في تنظيم تدفق الدم.
كذلك دُرس احتمال مساهمة ارتفاع الهوموسيستين في زيادة الإجهاد التأكسدي وهي حالة تحدث عندما يختل التوازن بين الجزيئات المؤكسدة ومضادات الأكسدة في الجسم. وقد يؤثر هذا الاختلال في الخلايا والأنسجة بما فيها الأوعية الدموية. كما بحث العلماء في علاقته بعمليات تخثر الدم وتكوّن الجلطات إلا أن حجم هذه التأثيرات وأهميتها لدى البشر لا يزالان موضع دراسة.
ورغم هذه التفسيرات البيولوجية المحتملة فإن الصورة ليست محسومة بالكامل. فارتفاع الهوموسيستين قد يترافق مع عوامل أخرى تؤثر في صحة القلب مثل ضعف وظائف الكلى أو نقص بعض فيتامينات مجموعة B أو التقدم في العمر. لذلك لا يمكن اعتبار ارتفاعه وحده دليلًا على أن الشخص سيصاب بمرض قلبي ولا الجزم بأنه السبب المباشر وراء المرض.
إذا كان ارتفاع الهوموسيستين مرتبطًا بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب فهل يمكن خفضه باستخدام الفيتامينات أن يقلل هذا الخطر فعلًا؟
هل خفض الهوموسيستين بالفيتامينات يحمي القلب؟
بما أن الفولك (فيتامين B9) وفيتامين B6 وفيتامين B12 تؤدي أدوارًا أساسية في العمليات الأيضة التي يتعامل الجسم من خلالها مع الهوموسيستين فقد اتجه الباحثون إلى دراسة ما إذا كان تناول هذه الفيتامينات سواء من خلال المكملات الغذائية أو ضمن التدخلات العلاجية يمكن أن يخفض مستوياته في الدم ويقلل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
وقد أظهرت الدراسات أن تناول بعض فيتامينات مجموعة B يمكن أن يساعد فعلًا على خفض مستوى الهوموسيستين خاصة لدى الأشخاص الذين ترتفع لديهم مستوياته. لكن التحدي كان في معرفة ما إذا كان هذا الانخفاض في التحليل ينعكس على :
- صحة القلب
- ويقلل من احتمالية الإصابة بالنوبات القلبية
- أو يقلل من احتمالية الوفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية
وللإجابة عن هذا السؤال حلّل الباحثون نتائج عدد من التجارب السريرية التي درست تأثير مكملات فيتامينات مجموعة B في الوقاية من الأمراض القلبية الوعائية. ووجدت مراجعة منهجية نُشرت في قاعدة بيانات كوكرين (Cochrane) عام 2017 أن خفض الهوموسيستين باستخدام هذه الفيتامينات لم يؤدِّي إلى انخفاض واضح في خطر الإصابة بالنوبات القلبية أو الوفاة لأي سبب. في المقابل أشارت النتائج إلى احتمال وجود انخفاض طفيف في خطر الإصابة بالسكتة الدماغية.
وتوضح هذه النتائج نقطة مهمة: نجاح التدخل في خفض مستوى مادة معينة في الدم لا يعني بالضرورة أنه سيمنع المرض المرتبط بها. فقد يكون ارتفاع الهوموسيستين عاملًا مرتبطًا بخطر الإصابة أو مؤشرًا يتأثر بعوامل صحية أخرى وليس بالضرورة سببًا مباشرًا يمكن إزالة أثره بمجرد خفض مستواه.
ولا يعني ذلك أن فيتامينات B غير مهمة فهي ضرورية لوظائف الجسم الطبيعية ويجب معالجة نقصها عند وجوده. لكن تناول جرعات إضافية منها دون حاجة لا يضمن الوقاية من أمراض القلب ولا يُعد بديلًا عن التعامل مع عوامل الخطر المعروفة مثل ارتفاع ضغط الدم والتدخين وقلة النشاط البدني.
ما العوامل التي قد تؤدي إلى ارتفاع الهوموسيستين؟
لا يرتبط ارتفاع الهوموسيستين بسبب واحد فقط بل قد ينتج عن مجموعة من العوامل الغذائية والصحية والوراثية. ومعرفة هذه العوامل تساعد على فهم سبب ارتفاعه بدلًا من افتراض أن المشكلة تعود دائمًا إلى نوعية الغذاء أو نقص الفيتامينات.
1. نقص بعض فيتامينات مجموعة B
يعد نقص الفولك (فيتامين B9) وفيتامين B12 وفيتامين B6 من العوامل التي قد تؤدي إلى ارتفاع مستوى الهوموسيستين. لأن هذه الفيتامينات تشارك في العمليات التي يحتاجها الجسم للتعامل معه. وقد يرتبط نقصها أيضًا
- بعدم الحصول على كميات كافية من الغذاء
- أو بوجود مشكلات تؤثر في امتصاص العناصر الغذائية كما في بعض اضطرابات الجهاز الهضمي.
2. مشكلات وظائف الكلى
تؤدي الكلى دورًا مهمًا في تنظيم مستويات الهوموسيستين في الجسم ولذلك قد يرتفع مستواه لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف وظائف الكلى. وفي هذه الحالة لا يكون ارتفاعه بالضرورة ناتجًا عن نقص غذائي بل قد يعكس الحالة الصحية للكلى نفسها.
3. العوامل الوراثية
توجد اختلافات وراثية قد تؤثر في كفاءة الإنزيمات المشاركة في استقلاب الهوموسيستين ما قد يؤدي إلى ارتفاع مستوياته لدى بعض الأشخاص. ويختلف تأثير هذه الاختلافات من شخص إلى آخر ولا يعني وجودها بالضرورة الإصابة بمرض قلبي.
4. بعض الأدوية والحالات الصحية
قد تؤثر بعض الأدوية في مستويات الفيتامينات أو في عمليات استقلاب الهوموسيستين كما قد يرتبط ارتفاعه بعوامل أخرى مثل التقدم في العمر وبعض الحالات الصحية. لذلك عند ظهور ارتفاع في نتيجة التحليل ينبغي تفسيرها في ضوء التاريخ الصحي والأدوية المستخدمة بدلًا من الاعتماد على النتيجة وحدها.
ومن المهم الانتباه إلى أن وجود أحد هذه العوامل لا يعني بالضرورة ارتفاع الهوموسيستين لدى كل شخص كما أن ارتفاعه لا يكشف وحده عن السبب. وقد يحتاج الطبيب إلى:
- تقييم الحالة
- وطلب فحوصات إضافية
- قياس مستويات بعض الفيتامينات
- تقييم وظائف الكلى وفقًا للأعراض والتاريخ الصحي
متى يُطلب فحص الهوموسيستين؟
يمكن قياس مستوى الهوموسيستين من خلال تحليل عينة دم وقد يطلب الطبيب هذا الفحص عند الاشتباه بوجود نقص في بعض الفيتامينات مثل الفولك أو فيتامين B12 أو عند تقييم حالات صحية معينة قد تؤثر في استقلابه. وقد يستخدم أيضًا في حالات خاصة يشتبه فيها الطبيب بوجود اضطراب وراثي يؤثر في طريقة تعامل الجسم معه.
لكن فحص الهوموسيستين لا يعد فحصًا روتينيًا ضروريًا لكل شخص بهدف الكشف عن أمراض القلب كما أن ارتفاع نتيجته لا يكفي وحده لتحديد احتمالية الإصابة بمرض قلبي أو لاتخاذ قرار بشأن العلاج. ويعتمد تفسير النتيجة على الحالة الصحية للشخص والعوامل الأخرى التي قد تؤثر في مستوى الهوموسيستين والفحوصات التي قد يحتاج إليها.
لذلك إذا أظهر التحليل ارتفاعًا في مستواه فإن الخطوة الأهم هي البحث عن السبب المحتمل وتقييمه طبيًا. بدلًا من اللجوء مباشرةً إلى المكملات الغذائية دون معرفة الحاجة إليها.
الخلاصة
ينتج الجسم الهوموسيستين بصورة طبيعية خلال عمليات الأيض وتساعد فيتامينات B6 وB12 والفولات على التعامل معه وتحويله إلى مواد أخرى. وقد ارتبط ارتفاع مستوياته في الدم بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية كما درس الباحثون آليات محتملة قد تفسر هذه العلاقة.
ومع ذلك فإن الارتباط بين ارتفاع الهوموسيستين وأمراض القلب لا يعني بالضرورة أنه سبب مباشر لها. كما أن خفض مستواه باستخدام المكملات الغذائية لا يضمن الوقاية من النوبات القلبية. وتظهر الأدلة أن العلاقة بينه وبين صحة القلب أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع نتيجة التحليل أو انخفاضها.
ومن هنا تظهر أهمية التغذية المتوازنة في توفير الفيتامينات والعناصر الضرورية لوظائف الجسم . أما عند ارتفاع الهوموسيستين فالأفضل تقييم السبب والتعامل معه وفقًا للحالة الصحية بدلًا من التركيز على الرقم وحده.
للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية
يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.
- رقم واتساب العيادة: 00962795581329
- موقع العيادة الالكتروني: www.samaraketolife.com
كتبت المقالة بواسطة هديل قنديل أخصائية التغذية العلاجية.
المصادر
Understanding of Nutrition 4th Edition
https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0002870304000948?via%3Dihub

