لا يقتصر دور الجهاز الهضمي في جسم الإنسان على هضم الطعام وامتصاص العناصر الغذائية فقط
بل يعد أيضًا أحد أهم مكونات جهاز المناعة إذ يشكل خط الدفاع الذي يساهم في حماية الجسم .
فالأمعاء ليست مجرد قناة يمر من خلالها الطعام فقط بل هي بيئة حيوية معقدة تضم أعدادًا كبيرة من الخلايا المناعية ومليارات الكائنات الدقيقة النافعة التي تتفاعل فيما بينها بشكل مستمر للمحافظة على توازن الجسم . وعندما يعمل هذا النظام بصورة طبيعية يستطيع الجسم الاستفادة من العناصر الغذائية وإنتاج الطاقة ودعم وظائف الخلايا بكفاءة.
لكن أي خلل في هذا التوازن نتيجة تداخل عوامل متعددة مثل العوامل الوراثية والعوامل البيئية واضطرابات عمل الجهاز المناعي قد يؤدي إلى ظهور أمراض التهابية ومن أبرزها داء كرون (Crohn’s Disease).
يتميز داء كرون بقدرته على التأثير في أي جزء من الجهاز الهضمي بدءًا من الفم ووصولًا إلى فتحة الشرج . وهذا يختلف عن التهاب القولون التقرحي الذي يتركز بشكل أساسي في القولون والمستقيم.
كما أن الالتهاب في داء كرون لا يقتصر على الطبقات السطحية من بطانة الأمعاء!
بل قد يمتد ليشمل جميع طبقات جدار الأمعاء وهو ما يعرف بالالتهاب العابر للجدار (Transmural Inflammation).
لذلك يعد المرض أكثر تعقيدًا وقد يؤثر بشكل واضح في الحالة الصحية والتغذوية للمريض وجودة حياته اليومية.
ما هو داء كرون
يعرَّف داء كرون بأنه مرض التهابي مزمن يصيب الجهاز الهضمي ويُعد أحد أمراض الأمعاء الالتهابية (Inflammatory Bowel Disease, IBD).
ويتميز بإمكانية إصابة أي جزء من القناة الهضمية بدءًا من الفم وحتى الشرج إلا أن أكثر المناطق شيوعًا للإصابة هي نهاية الأمعاء الدقيقة (اللفائفي) وبداية القولون.
ومن المهم أن ندرك أن هذا المرض ينشأ نتيجة اضطراب في الاستجابة المناعية حيث يهاجم الجهاز المناعي بطانة الجهاز الهضمي بصورة غير طبيعية مما يؤدي إلى حدوث التهاب مزمن وتلف في الأنسجة كذلك تتداخل العوامل الوراثية والبيئية والميكروبية في تطور المرض.
ويمتاز داء كرون بأنه قد يصيب مناطق متعددة من الجهاز الهضمي سواء كانت متجاورة أو تفصل بينها أجزاء سليمة من الأمعاء وهو ما يُعرف بوجود مناطق متقطعة . كما يمتد الالتهاب خلال جميع طبقات جدار الأمعاء مما يزيد من احتمال حدوث مضاعفات مثل التضيق والناسور والخراجات مقارنة بالتهاب القولون التقرحي الذي يقتصر عادة على بطانة القولون والمستقيم.
وبسبب الطبيعة المزمنة للمرض يمر المصاب عادة بحالتين متعاقبتين:
1) مرحلة النشاط (Active Disease): وهي الفترة التي يشتد فيها الالتهاب فتظهر أعراض مثل الإسهال المزمن وآلام البطن وفقدان الوزن والإرهاق وقد يحدث نزف شرجي حسب شدة الإصابة.
2) مرحلة الهدوء (Remission): وهي الفترة التي يقل فيها النشاط الالتهابي أو يختفي مؤقتًا فتتحسن الأعراض بشكل ملحوظ إلا أن المرض يبقى مزمنًا وقد تعود النوبات مرة أخرى لذلك يحتاج المريض إلى المتابعة والعلاج للحفاظ على الهدأة ومنع المضاعفات.
ويعد داء كرون في كثير من الحالات أكثر تعقيدًا من التهاب القولون التقرحي لأنه قد يصيب أي جزء من الجهاز الهضمي ويمكن أن يظهر في أكثر من منطقة في الوقت نفسه مع وجود أجزاء سليمة بين المناطق المصابة كما أن الالتهاب يشمل كامل سمك جدار الأمعاء مما يزيد من خطر حدوث المضاعفات مثل التضيق والناسور والخراجات.
الأعراض لداء كرون
تختلف أعراض داء كرون باختلاف موقع الإصابة وشدة الالتهاب ومن أهمها:
الإسهال المزمن.
ألم وتشنجات في البطن خاصة في الجزء السفلي الأيمن.
فقدان الشهية.
فقدان الوزن نتيجة انخفاض تناول الطعام وسوء الامتصاص.
سوء التغذية بسبب الالتهاب المزمن وسوء الامتصاص وزيادة الاحتياجات الغذائية.
سوء الامتصاص للعناصر الغذائية خاصةً عند إصابة اللفائفي مما يؤدي إلى نقص امتصاص الدهون وبعض الفيتامينات والمعادن.
نقص الفيتامينات والمعادن مثل الحديد، وفيتامينB12، وحمض الفوليك، وفيتامين D، والكالسيوم، والزنك.
فقر الدمنتيجة نقص الحديد أو فيتامين B12 أو النزف المزمن.
التعب والإرهاق العام.
الحمى أثناء نوبات نشاط المرض.
الغثيان أو القيء في بعض الحالات خاصة عند حدوث تضيق في الأمعاء.
تقرحات الفم.
تأثير التغذية في مسار المرض والمضاعفات
تلعب التغذية دورًا أساسيًا في الحفاظ على الحالة الغذائية لمرضى داء كرون
إلا أنه لا يوجد نظام غذائي موحد يناسب جميع المرضى إذ تختلف الأطعمة التي قد تزيد من الأعراض من شخص لآخر كما تختلف باختلاف مرحلة المرض ومكان الإصابة في الجهاز الهضمي.
وخلال فترات نشاط المرض يكون الجسم في حالة التهاب مستمر نتيجة اضطراب الاستجابة المناعية مما يزيد من استهلاك الطاقة والبروتين والعناصر الغذائية. وفي الوقت نفسه يعاني كثير من المرضى من فقدان الشهية والإسهال وآلام البطن مما يؤدي إلى انخفاض كمية الطعام المتناولة وزيادة خطر سوء التغذية.
لذلك يُنصح المرضى بالاحتفاظ بمذكرة غذائية يتم فيها تسجيل الأطعمة المتناولة والأعراض التي تظهر بعدها مما يساعد على تحديد الأغذية التي قد تؤدي إلى تفاقم الأعراض لدى كل مريض مع التأكيد على أن هذه الأغذية تختلف من شخص لآخر ولا توجد قائمة ثابتة تنطبق على جميع المرضى.
ويُعد سوء التغذية من أكثر المضاعفات شيوعًا في داء كرون وينتج عن انخفاض المدخول الغذائي وسوء الامتصاص والالتهاب المزمن وارتفاع احتياجات الجسم الغذائية أثناء نشاط المرض.
كما قد يؤدي المرض خاصة عند إصابة الأمعاء الدقيقة إلى نقص العديد من العناصر الغذائية مثل الحديد، وفيتامين B12، وحمض الفوليك، وفيتامين D، والكالسيوم، والزنك مما قد يسبب فقدان الوزن وانخفاض الكتلة العضلية وفقر الدم وتأخر النمو لدى الأطفال.
وقد تستدعي الحالات الشديدة أو المعقدة مثل حدوث التضيق أو الناسور أو الخراجات أو انسداد الأمعاء اللجوء إلى التدخل الجراحي لاستئصال الجزء المصاب من الأمعاء وذلك وفقًا لتقييم الطبيب المختص وشدة المرض ووجود المضاعفات.
يمكنكِ صياغتها دون الإيحاء بأن الجراحة ليست علاجًا، وإنما بالتركيز على احتمال عودة المرض:
ويجب الإشارة إلى أن داء كرون قد يعود للظهور حتى بعد التدخل الجراحي واستئصال الجزء المصاب من الأمعاء وذلك لأن المرض يمكن أن يصيب أي جزء من الجهاز الهضمي.
لذلك قد يظهر الالتهاب مرة أخرى في منطقة أخرى أو بالقرب من مكان الجراحة . أما في التهاب القولون التقرحي فإن احتمالية عودة المرض بعد استئصال القولون أو اجزاء منه تكون أقل بكثير لأن المرض يقتصر على القولون والمستقيم.
أهمية التغذية خلال فترات الهدوء في داء كرون
تمثل فترة هدوء داء كرون مرحلة مهمة لاستعادة التوازن الغذائي في الجسم بعد تأثير الالتهاب حيث يركز التدخل الغذائي على تعويض أي نقص حدث خلال فترات نشاط المرض خاصة أن داء كرون قد يؤثر في قدرة الأمعاء على امتصاص العناصر الغذائية.
وخلال هذه المرحلة يساعد النظام الغذائي المتوازن على إعادة بناء مخزون الجسم من الطاقة والبروتين والحفاظ على الكتلة العضلية وتعويض النواقص الغذائية التي قد تنتج عن سوء الامتصاص خصوصًا فيتامين B12 والحديد وفيتامين D والكالسيوم والزنك.
كما يُنصح بالحفاظ على تناول كمية كافية من البروتين لدعم تجدد الأنسجة والمحافظة على وظائف الجسم مع متابعة الحالة الغذائية بشكل مستمر لتحديد أي احتياجات فردية.
يُنصح بالحفاظ على تناول كمية كافية من البروتين لتلبية احتياجات الجسم ودعم الحفاظ على الكتلة العضلية وتجدد الأنسجة وتبلغ الاحتياجات البروتينية غالبًا حوالي 1 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا مع تعديلها حسب الحالة التغذوية للمريض ووجود سوء امتصاص أو فقدان في الوزن أو أي عوامل أخرى تؤثر في الاحتياجات الفردية.
أهمية التغذية خلال فترات نشاط داء كرون
خلال نشاط داء كرون يدخل الجسم في حالة من الاستجابة الالتهابية التي تزيد من احتياجاته الغذائية بينما قد تقل قدرة المريض على تلبية هذه الاحتياجات بسبب فقدان الشهية وآلام البطن والإسهال وسوء الامتصاص.
ويؤدي استمرار هذه العوامل إلى زيادة خطر فقدان الوزن وانخفاض الكتلة العضلية وسوء التغذية لذلك تهدف الخطة الغذائية إلى توفير طاقة وبروتين كافيين وتقليل تأثير الأعراض على المدخول الغذائي.
ويُنصح بزيادة كمية البروتين لتصل تقريبًا إلى 1.2–1.5 غرام/كغ من وزن الجسم يوميًا خلال فترات النشاط للمساعدة في تقليل فقدان الكتلة العضلية ودعم إصلاح الأنسجة.
وفي حال وجود إصابة في الأمعاء الدقيقة يجب الانتباه بشكل خاص إلى نقص بعض العناصر الغذائية نتيجة ضعف الامتصاص،مثل فيتامين B12 والحديد والفيتامينات الذائبة في الدهون.
كما قد يحتاج بعض المرضى إلى التغذية المعوية كجزء من التدخل العلاجي خاصة عند الأطفال أو في الحالات التي لا يستطيع فيها المريض تلبية احتياجاته الغذائية بينما تُستخدم التغذية الوريدية عند وجود موانع لاستخدام الجهاز الهضمي.
مواقع امتصاص العناصر الغذائية في الجهاز الهضمي
توضح الصورة أعلاه أجزاء الجهاز الهضمي المختلفة والعناصر الغذائية التي يتم امتصاصها في كل جزء:
الأجزاء العلويّة (المعدة والأمعاء الدقيقة: الاثني عشر، الصائم، واللفائفي): تتولى امتصاص الغالبية العظمى من المغذيات؛ حيث يُصنع ويُمتص فيها معظم الفيتامينات (مثل فيتامينات A, D, E, K، B12، الفوليك أسيد، وفيتامين C)، والمعادن (مثل الحديد، الكالسيوم، المغنيسيوم، الزنك)، بالإضافة إلى البروتينات والدهون وأحماض المرارة (Bile salts).
القولون / الأمعاء الغليظة (Large Intestine): هو الجزء المخصص بشكل رئيسي لامتصاص الماء، والصوديوم، والبوتاسيوم، والكلورايد، وفيتامين K، والبيوتين، والأحماض الدهنية قصيرة السلسلة.
ما الذي يتأثر عند الإصابة بمرض كرون؟
بما أن مرض كرون يمكن أن يصيب أي جزء من القناة الهضمية (وخصوصاً الجزء الأخير من الأمعاء الدقيقة (اللفائفي والقولون) فإن التأثير على الامتصاص يكون أوسع وأكثر تنوعاً بحسب مكان الالتهاب:
تأثر الأمعاء الدقيقة (سوء امتصاص شامل):
اللفائفي (Ileum): يؤدي التهابه إلى نقص حاد في امتصاص فيتامين B12، وفيتامين D، وأحماض المرارة (مما يسبب سوء امتصاص الدهون)، بالإضافة إلى المغنيسيوم والزنك.
الصائم والاثني عشر (Jejunum & Duodenum): يؤدي التهابهما إلى نقص في امتصاص الحديد (مسبباً الأنيميا)، والكالسيوم، وحمض الفوليك (Folate)، والفيتامينات الذائبة في الدهون (A, D, E, K)، والبروتينات.
تأثر القولون (اضطراب السوائل والأملاح): عند إصابة القولون، تضعف قدرته على امتصاص الماء والصوديوم والبوتاسيوم، مما يؤدي إلى الإسهال المائي المستمر، الجفاف، وجفاف الإلكتروليتات، فضلاً عن نقص فيتامين K والبيوتين.
و يختلف مرض كرون عن التهاب القولون التقرحي في أنه قد يهاجم الأمعاء الدقيقة والغليظة معاً وبشكل منقطع (Skip lesions) كما ذكرنا سابقا ولذلك فإن مرضى كرون أكثر عرضة لـسوء التغذية ونقص الفيتامينات والمعادن المتعددة، وليس فقط جفاف السوائل والأملاح.
الخلاصه
يُعد داء كرون مرضًا التهابيًا مزمنًا يصيب القناة الهضمية نتيجة اضطراب مناعي وقد يؤثر في أي جزء منها (خاصة الأمعاء الدقيقة والقولون) على شكل مناطق التهاب متقطعة تفصل بينها أجزاء سليمة.
يمر المرض بفترات نشاط وهدوء وتلعب التغذية دورًا حاسمًا في السيطرة عليه.
ويُعتبر سوء التغذية من أبرز مشاكله بسبب الالتهاب المزمن، ضعف الشهية، وسوء الامتصاص، مما يسبب نقصًا في الحديد، وفيتامين B12، وفيتامين D، والزنك.
تزداد الحاجة إلى البروتين أثناء فترات النشاط لترميم الأنسجة والحفاظ على العضلات وتختلف الاحتياجات من مريض لآخر.
ورغم أن الجراحة قد تُستخدم لعلاج المضاعفات إلا أنها ليست علاجًا نهائيًا لإمكانية عودة المرض؛ لذا تُعد المتابعة والنظام الغذائي المتوازن ركيزتين أساسيتين للعلاج المستمر.
للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية
يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.