قال تعالى : ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30] آية كريمة تختصر واحدة من أعظم الحقائق عن الماء فهو ليس مجرد مشروب نحتاجه عندما نشعر بالعطش فقط. بل عنصر أساسي للحياة يدخل في معظم العمليات التي يحافظ بها الجسم على عمله وتوازنه ويشكل من 60% إلى 65% وزن جسم الانسان .
وتكمن أهمية الماء في وظائفه المتعددة داخل الجسم فهو يشكل جزءًا أساسيًا من الدم وسوائل الجسم. ولذلك يساعد على نقل المواد المختلفة إلى الخلايا مثل الجلوكوز والعناصر الغذائية الأساسية للبقاء الحي.
وفي الوقت نفسه يساهم في نقل بعض الفضلات الناتجة عن عمليات الأيض مثل اليوريا إلى الكلى للتخلص منها . حيث تعتبراليوريا ناتجاً طبيعياً لاستقلاب البروتينات يتخلص منه الجسم عبر الكلى إلا أن احتباسها وتراكمها في الدم يجعل منها مادة ضارة.
كما يساعد الماء في الحفاظ على شكل الخلايا وحجمها ويدخل في تكوين السوائل التي تقلل الاحتكاك بين الأنسجة مثل السائل الموجود داخل المفاصل الذي يساعد على تسهيل حركتها.
ولا تتوقف أهمية الماء عند ذلك فهو يشارك في تنظيم درجة حرارة الجسم فعندما ترتفع حرارة الجسم يساعد فقدان الماء عن طريق التعرق وتبخره من سطح الجلد على التخلص من الحرارة الزائدة وبالتالي تبريد الجسم . كما يعمل الماء كوسط تذوب فيه العديد من المواد والعناصر المهمة ومنها الإلكتروليتات مثل الصوديوم والبوتاسيوم مما يساعد الجسم على الحفاظ على توازن السوائل والقيام بوظائفه الطبيعية.
ومع كل هذه الفوائد يبدو من الطبيعي أن نعتبر أن الإكثار من الماء يعني فائدة أكبر وصحة أفضل .لكن هل الأمر بمثل هذه البساطة؟
فكما هو الحال مع كثير من الأشياء في الحياة حتى ما يحتاجه الجسم بشدة قد يصبح مشكلة عندما يُستخدم بطريقة غير مناسبة. وهنا لا تكمن القصة فقط في كمية الماء التي نشربها خلال اليوم بل في كيف نشربه ومتى نشربه ومدى سرعة إدخاله إلى الجسم.
فالكلى تمتلك قدرة محددة على تنظيم الماء والتخلص من الكمية الزائدة منه. وعندما تدخل كميات كبيرة من الماء إلى الجسم خلال فترة قصيرة جدًا قد لا تتمكن الكلى من مواكبة هذا التدفق والكيمة الصغيرة خلال وقت قصير مما قد يؤدي في حالات معينة إلى انخفاض تركيز الصوديوم في الدم وحدوث تسمم الماء .
لذلك من المهم أن نفهم كيف يتعامل الجسم مع الماء خصوصا الكلى وما الذي يحدث عندما نتجاوز قدرته على تنظيمه والتخلص من فائضه؟

أين يذهب الماء بعد أن نشربه؟
بعد أن نشرب الماء لا يبقى الماء في المعدة لفترة طويلة بل ينتقل تدريجيًا إلى الأمعاء حيث يُمتص إلى مجرى الدم. ومن هناك يصبح جزءًا من سوائل الجسم التي تتحرك باستمرار بين الدم والأنسجة والخلايا.
فالجسم لا يحتفظ بكل الماء الذي نشربه بل يتعامل معه حسب حاجته. فإذا كان الجسم بحاجة إلى الماء فسوف يستخدمه للحفاظ على توازن السوائل وتلبية احتياجات الخلايا والأنسجة. أما إذا شربنا كمية أكبر من حاجة أجسادنا فسوف يتخلص الجسم من الماء الزائد عن طريق الكلى.
فبعدد أن يصل الماء إلى الدم تبدأ الكلى بتنظيم ما يحتاجه الجسم منه وما يمكن التخلص منه. فهي تقوم باستمرار بترشيح الدم وتنظيم كمية الماء والأملاح الموجودة فيه.
ولا يعني ذلك أن كل الماء الذي يصل إلى الكلى يخرج مباشرة في البول .إذ تستطيع الكلى إعادة امتصاص جزء كبير من الماء وإعادته إلى الدورة الدموية بينما تتخلص من الكمية الزائدة عن حاجة الجسم عن طريق البول.
وهذه العملية ليست ثابتة طوال الوقت بل تتغير بحسب حالة الجسم. فعندما يكون الماء قليلًا تحاول الكلى الاحتفاظ بكمية أكبر منه فيصبح البول أكثر تركيزًا. أما عندما يكون الماء زائدًا عن حاجة أجسادنا فتستطيع الكلى طرح كمية أكبر منه فيصبح البول خفيفاً.
إذن الجسم لا يترك كمية الماء التي نشربها تسير بشكل عشوائي بل يمتلك نظامًا دقيقًا للموازنة بين الماء الذي يدخل الجسم والماء الذي يحتفظ به والماء الذي يتخلص منه.
لكن هذا النظام رغم دقته له حدود وقدرة معينه على العمل .فاذا كانت للكلى قدرة محدودة على العمل فهل يمكن أن نشرب ماءً أسرع مما تستطيع الكلى التخلص منه؟

ما الحد الأقصى الذي تستطيع الكلى التعامل معه من الماء؟
بعد أن يصل الماء إلى مجرى الدم تبدأ الكلى بالقيام بدورها في الحفاظ على توازن السوائل داخل الجسم. فهي لا تعمل فقط على التخلص من الفضلات مثل اليوريا وإنما تراقب كمية الماء الموجودة في الجسم وتركيز المواد الذائبة في الدم ثم تحدد مقدار الماء الذي يجب الاحتفاظ به ومقدار الماء الذي يمكن التخلص منه عن طريق البول.
و القدرة على تنظيم الماء مهمة جدًا لأن الجسم لا يحتاج إلى الاحتفاظ بكل الماء الذي نشربه. فعندما تكون كمية الماء كافية تستطيع الكلى التخلص من جزء من الفائض وعندما يحتاج الجسم إلى الماء تقلل الكلى من فقدانه وتحتفظ بكمية أكبر منه.
لكن قدرة الكلى على إخراج الماء ليست غير محدودة. ففي الشخص البالغ الذي تعمل كليتاه بشكل طبيعي تُقدّر القدرة القصوى على طرح الماء الحر في الظروف المعتادة بحوالي 0.8–1 لتر في الساعة مع اختلاف هذه القدرة من شخص لآخر تبعًا لعوامل عديدة منها:
- كمية المواد الذائبة التي يجب طرحها
- ومستوى هرمون ADH (الهرمون المضاد لإدرار البول)
- وظائف الكلى
- الحالة الصحية
وهنا تظهر أهمية التفريق بين كمية الماء التي نشربها خلال اليوم وبين السرعة التي نشرب بها هذه الكمية. فالجسم قد يستطيع التعامل مع كمية كبيرة نسبيًا إذا وصلت إليه تدريجيًا على مدار فترة طويلة. بينما قد تصبح الكمية نفسها مشكلة إذا دخلت إلى الجسم بسرعة كبيرة وتجاوزت قدرة الكلى على التخلص منها في ذلك الوقت.
فإن قدرة الكلى على التخلص من الماء ليست بلا حدود فلها حد معين . وإذا دخلت كمية كبيرة من الماء إلى الجسم خلال وقت قصير وتجاوزت قدرة الكلى على التخلص منها قد يتراكم الماء في الجسم ويختل توازن السوائل مما قد يؤدي إلى انخفاض تركيز الصوديوم في الدم.
لذلك لا يعتمد الأمر فقط على كمية الماء التي نشربها بل أيضًا على سرعة شربها والمدة الزمنية .
ماهو تسمم الماء؟
هي حالة تحدث عندما تدخل كمية من الماء إلى الجسم خلال فترة زمنية قصيرة جدًا تفوق قدرة الجسم والكلى تحديدًا على التخلص منها.
في هذه الحالة لا تكمن المشكلة في أن الماء نفسه مادة سامة وإنما في الإفراط الشديد والسريع في شربه. الذي يؤدي إلى تخفيف تركيز الصوديوم في الدم وهي حالة تُعرف باسم نقص صوديوم الدم (Hyponatremia).
وعندما يتراكم الماء في الجسم يصبح تركيز الصوديوم في الدم أقل من المستوى الطبيعي. والصوديوم من أهم الإلكتروليتات الموجودة في سوائل الجسم وله دور محوري في تنظيم توازن الماء وحركة السوائل بين داخل الخلايا وخارجها.
وعندما يقل تركيز الصوديوم في الدم يتجه الماء تلقائيًا إلى داخل الخلايا ليعادل هذا النقص مما يسبب انتفاخها. معظم خلايا الجسم مثل العضلات والجلد تتمتع بمرونة تسمح لها بالانتفاخ لكن الخطر الحقيقي يكمن في خلايا الدماغ لأنها محاطة بالجمجمة. وهي صندوق عظمي صلب لا يتمدد مما يجعل أي تورم فيها يسبب ضغطًا شديدًا وخطيرًا وقد يكون قاتلاً
ولهذا السبب قد يسبب نقص الصوديوم الشديد أعراضًا مثل:
- الصداع
- الغثيان
- القيء
- الارتباك
- التغير في مستوى الوعي
- في الحالات الشديدة قد تحدث تشنجات ومضاعفات عصبية خطيرة
ومن المهم هنا التأكيد على أن تسمم الماء لا يعني أن الماء أصبح مادة سامة وإنما أن كمية الماء أصبحت أكبر من قدرة الجسم على تنظيمها مما أدى إلى اضطراب خطير في توازن الماء والصوديوم

لماذا لا يحدث تسمم الماء عند الجميع ؟
لا توجد كمية واحدة من الماء يمكن اعتبارها كمية تسبب تسمم تنطبق على جميع الأشخاص فالخطر يعتمد على عدة عوامل منها :
- كمية الماء
- وسرعة شربه
- قدرة الكلى على الفلترة
- الهرمونات
- الأدوية
- بعض الحالات الصحية
فالشخص الذي يشرب الماء تدريجيًا خلال اليوم ليس كالشخص الذي يشرب عدة لترات خلال فترة قصيرة . كما أن القدرة على التخلص من الماء قد تنخفض عند وجود بعض أمراض الكلى أو القلب أو غيرهم .
ويلعب هرمون ADH (الهرمون المضاد لإدرار البول) دورًا كبير فهذا الهرمون يساعد الكلى على الاحتفاظ بالماء عندما يحتاجه الجسم. وإذا كان مستوى الهرمون مرتفعًا تقل قدرة الكلى على طرح الماء الحر وبالتالي قد يصبح الجسم أكثر عرضة لتراكم الماء في ظروف معينة.
هل شرب 3 لترات من الماء يوميًا آمن؟
هنا نحتاج أن ننتبه إلى الفرق بين كمية الماء الإجمالية خلال اليوم وبين سرعة شرب هذه الكمية.
فشرب 3 لترات موزعة على مدار ساعات اليوم يختلف تمامًا عن شرب 3 لترات خلال فترة زمنية قصيرة. لذلك لا يمكن القول ببساطة إن 3 لترات تسبب تسمم الماء أو أن شرب 3 لترات آمنة للجميع.
احتياج الجسم للماء يختلف من شخص لآخر ويتأثر بعوامل مثل:
- درجة الحرارة
- النشاط البدني
- التعرق
- طبيعة الغذاء
- حجم الجسم
- الحالة الصحية
- الظروف الجوية
كما أن جزءًا من الماء الذي يحتاجه الجسم يأتي من الطعام والمشروبات الأخرى وليس من الماء الصافي وحده.
لذلك الرقم وحده لا يخبرنا بالقصة كاملة فطريقة توزيع الماء وسرعة شربه لا تقل أهمية عن الكمية الإجمالية التي نشربها.
كيف نشرب الماء بطريقة أكثر توازنًا؟
الفكرة ليست أن نخاف من الماء أو نقلل منه بشكل مبالغ فيه وإنما أن نتعامل معه بطريقة تتناسب مع احتياج الجسم الفعلي .
ومن أبسط الأمور التي تساعد على تحقيق هذا التوازن:
- توزيع شرب الماء على مدار اليوم بدلًا من شرب كميات كبيرة دفعة واحدة.
- زيادة السوائل عند الحاجة مثل إرتفاع درجات الحرارة أو التعرق والنشاط البدني مع مراعاة تعويض السوائل والأملاح عند فقدانها بكميات كبيرة.
- عدم إجبار النفس على شرب كميات ضخمة من الماء لمجرد الوصول إلى رقم معين.
- الانتباه إلى إشارات الجسم مثل العطش ولون البول كأدوات بسيطة تساعد في متابعة مستوى الترطيب مع الأخذ بعين الاعتبار أن لون البول قد يتأثر بعوامل أخرى كالأدوية والفيتامينات.
- مراعاة الأشخاص الذين لديهم أمراض في الكلى أو القلب أو الكبد أو اضطرابات في توازن الصوديوم تكون لديهم احتياجات مختلفة ولذلك يجب أن تحدد كمية السوائل لديهم
الخلاصة
الماء عنصر أساسي ومفيد جدًا لصحتنا ولا غنى عنه لكن علينا للاستفادة منه بالطريقة الصحيحة حيث يكمن السر في معرفة الكمية المطلوبة والمباعدة بين أوقات الشرب على مدار اليوم بدلاً من تناول كميات كبيرة دفعة واحدة.
فالفكرة ليست أن الماء ضار وإنما أن للجسم نظامًا دقيقًا للغاية للتعامل معه وهذا النظام يحتاج فقط إلى أن نعطيه المساحة والفرصة للقيام بعمله. فالماء ضرورة للحياة، لكن شربه بذكاء يعني ألا نركز فقط على كم شربنا بل أيضًا على كيف ومتى شربناه.
للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية
يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.
- رقم واتساب العيادة: 00962795581329
- موقع العيادة الالكتروني: www.samaraketolife.com
المصادر
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8663108/pdf/bmjopen-2020-046539.pdf
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC3924712/pdf/cru-0003-0147.pdf
https://www.jstage.jst.go.jp/article/endocrj/54/4/54_4_643/_pdf/-char/en

