عندما نسمع كلمة الكلى قد يكون أول شيء يخطر في بالنا أنها الأعضاء المسؤولة عن تكوين البول والتخلص من الفضلات. وهذا صحيح لكنه لا يصف كل ما تقوم به الكلى.
لدينا كليتان تقعان في الجزء الخلفي من البطن على جانبي العمود الفقري وأسفل القفص الصدري ويبلغ حجم كل منهما تقريبًا حجم قبضة اليد.
وعلى الرغم من صغر حجمهما تعمل الكليتان باستمرار للحفاظ على توازن الجسم وتنظيم العديد من العمليات المهمة.

ماذا تفعل الكلى داخل الجسم؟
يمكن تخيل الكلى كأنها نظام دقيق لتنظيم مكونات الدم فهي تستقبل الدم بشكل مستمر وتقوم بتصفية الفضلات والماء الزائد ثم تعيد إلى الدم المواد التي يحتاجها الجسم بينما يتم التخلص من الفضلات والماء الزائد عن طريق البول.
لكن وظيفة الكلى لا تتوقف عند ذلك فهي تساعد أيضًا على:
- الحفاظ على توازن الماء والأملاح والمعادن في الدم، مثل الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والفوسفور.
- التخلص من الفضلات الناتجة عن عمليات الجسم المختلفة.
- المساعدة في تنظيم ضغط الدم.
- المحافظة على توازن الأحماض والقواعد في الجسم.
- إنتاج هرمونات ومن أهمها الإريثروبويتين (Erythropoietin – EPO)
- تحويل فيتامين D إلى صورته النشطة مما يساعد الجسم على تنظيم الكالسيوم والحفاظ على صحة العظام.

فماذا يحدث للعناصر الغذائية والدم عندما تبدأ وظائف الكلى بالتراجع؟ ولماذا قد يعاني مريض الكلى من فقر الدم أو اضطراب بعض المعادن والفيتامينات؟
لماذا قد تسبب أمراض الكلى فقر الدم؟
قد يبدو أن الكلى والدم موضوعان مختلفان لكن بينهما علاقة مهمة جدًا!
فالكلى السليمة لا تكتفي بتنقية الدم من الفضلات بل تنتج أيضًا هرمونًا يسمى الإريثروبويتين (Erythropoietin – EPO).
يقوم هذا الهرمون بإرسال إشارة إلى نخاع العظم ليحفزه على إنتاج خلايا الدم الحمراء. وهذه الخلايا هي التي تحمل الأكسجين من الرئتين إلى مختلف أنسجة الجسم.
عندما تتضرر الكلى وتقل قدرتها على إنتاج الإريثروبويتين تصل إشارة أقل إلى نخاع العظم وبالتالي يقل إنتاج خلايا الدم الحمراء. ومع انخفاض عدد خلايا الدم الحمراء تقل قدرة الدم على حمل الأكسجين وقد يحدث فقر الدم (Anemia).
ولهذا السبب يُعد فقر الدم من المضاعفات الشائعة لمرض الكلى المزمن ويزداد احتمال حدوثه مع تراجع وظائف الكلى.
لكن القصة لا تنتهي عند الإريثروبويتين فصناعة خلايا الدم الحمراء تحتاج أيضًا إلى مجموعة من العناصر الغذائية أهمها الحديد وفيتامين B12 وحمض الفوليك.
لذلك قد يكون فقر الدم عند مريض الكلى نتيجة أكثر من عامل في الوقت نفسه وليس بسبب نقص الحديد وحده.

الحديد… لماذا قد يواجه مريض الكلى مشكلة فيه؟
عندما نسمع أن مريض الكلى يعاني من نقص الحديد قد نفكر مباشرةً أن السبب هو عدم تناول كمية كافية من الأطعمة الغنية بالحديد. لكن في مرض الكلى المزمن الصورة قد تكون أكثر تعقيدًا.
يحتاج الجسم إلى الحديد لصناعة الهيموغلوبين وهو البروتين الموجود داخل خلايا الدم الحمراء والمسؤول عن حمل الأكسجين.
لذلك إذا لم يتوفر الحديد بالكمية الكافية أو لم يستطع الجسم الاستفادة منه بشكل جيد قد يتأثر إنتاج خلايا الدم الحمراء ويزداد فقر الدم.
وقد يواجه مريض الكلى مشكلة في الحديد لأكثر من سبب. فمن جهة قد يكون هناك فقدان للحديد والدم ويكون ذلك أكثر أهمية لدى بعض الأشخاص الذين يخضعون لغسيل الكلى.
ومن جهة أخرى قد يكون لدى الجسم مخزون من الحديد لكن لا يكون متاحًا بالشكل الكافي لاستخدامه في تصنيع خلايا الدم الحمراء. كما قد يعاني بعض المرضى من نقص فعلي في الحديد أو من نقص في بعض العناصر الأخرى الضرورية لتكوين الدم.
وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا وجود الحديد في الجسم لا يعني بالضرورة أن الجسم يستطيع استخدامه بكفاءة.
فالالتهاب المزمن المصاحب لبعض حالات مرض الكلى يمكن أن يؤثر في طريقة تخزين الحديد واستخدامه ولذلك قد يظهر لدى الشخص انخفاض في الحديد المتاح للدم حتى عندما يكون جزء من الحديد مخزنًا داخل الجسم.
لهذا السبب،لا يتم تقييم حالة الحديد عند مريض الكلى اعتمادًا على الطعام الذي يتناوله فقط،وإنما قد يحتاج الطبيب إلى فحوصات مثل الفيريتين ( الذي يعكس مخزون الحديد وتشبع الترانسفيرين الذي يساعد على معرفة كمية الحديد المتاحة للاستخدام.
وهنا يأتي دور التغذية لكن بطريقة مختلفة عن الشخص الذي لا يعاني من مرض في الكلى.
فبعض الأطعمة الغنية بالحديد قد تحتوي أيضًا على البوتاسيوم أو الفوسفور أو البروتين بكميات قد تحتاج إلى تنظيم حسب مرحلة مرض الكلى وحالة الشخص.
لذلك لا يمكن إعطاء جميع مرضى الكلى قائمة واحدة من الأطعمة الغنية بالحديد بل يجب أن تكون الاختيارات الغذائية مناسبة لحالتهم وتحاليلهم.
فيتامين B12 وحمض الفوليك… عناصر أخرى يحتاجها الدم
الحديد ليس العنصر الوحيد الذي يحتاجه الجسم لصناعة خلايا الدم الحمراء. فهناك عناصر أخرى مهمة من بينها فيتامين B12 وحمض الفوليك (Folate) وهما ضروريان لنمو خلايا الدم وتكوينها بشكل طبيعي.
لذلك إذا كان مريض الكلى يعاني من نقص أحدهما فقد يزداد تأثير فقر الدم حتى لو كان يحصل على كمية مناسبة من الحديد.
فيتامين B12 يساعد الجسم على تكوين خلايا الدم بشكل طبيعي بينما يلعب حمض الفوليك دورًا مهمًا في نمو وانقسام الخلايا. ولهذا يمكن أن يؤدي نقصهما إلى اضطراب في إنتاج خلايا الدم الحمراء.
لكن لماذا قد نهتم بهذين العنصرين عند مريض الكلى؟
لأن بعض الأشخاص المصابين بمرض الكلى المزمن قد لا يحصلون على ما يكفي من العناصر الغذائية بسبب قلة الشهية أو محدودية النظام الغذائي أو سوء التغذية. كما أن بعض المرضى قد يحتاجون إلى قياس مستويات B12 والفولات ضمن تقييم أسباب فقر الدم خاصة إذا لم يكن السبب واضحًا.
وهنا تظهر أهمية المتابعة: ليس كل فقر دم عند مريض الكلى يعني نقص الحديد. فقد يكون السبب أو أحد العوامل المساهمة هو نقص B12 أو الفولات ولذلك تُستخدم تحاليل الدم لتحديد السبب قبل اختيار العلاج المناسب.
المشكلة ليست فقط في تصنيع الدم فقط
حتى لو كان الجسم يمتلك العناصر الغذائية اللازمة فإن خلايا الدم الحمراء عند مريض الكلى قد لا تبقى في الجسم بنفس المدة الطبيعية.
فخلايا الدم الحمراء تعيش عادةً حوالي 120 يومًا لكن في مرض الكلى المزمن قد يصبح عمرها أقصر مما يعني أن الجسم يفقد هذه الخلايا بشكل أسرع ويحتاج إلى تعويضها باستمرار.
كما يمكن أن يحدث فقدان للدم عند بعض المرضى ويكون ذلك أكثر أهمية لدى الأشخاص الذين يخضعون لغسيل الكلى.
ومع تكرار فقدان الدم قد يفقد الجسم جزءًا من الحديد الموجود فيه مما يزيد من صعوبة إنتاج خلايا دم حمراء جديدة.
وهناك عامل آخر وهو الالتهاب المزمن الذي قد يصاحب مرض الكلى. فالالتهاب يمكن أن يؤثر في طريقة تعامل الجسم مع الحديد فيصبح الحديد الموجود في مخازن الجسم أقل توفرًا لاستخدامه في تصنيع خلايا الدم الحمراء.
لذلك قد تكون المشكلة أحيانًا ليست أن الجسم لا يمتلك الحديد، وإنما أنه لا يستطيع استخدامه بالشكل الكافي.
لهذا السبب عندما يعاني مريض الكلى من فقر الدم لا يكفي أن نقول: يحتاج إلى مزيد من الحديد.
يجب أولًا معرفة السبب من خلال تقييم الحالة والفحوصات لأن فقر الدم قد يكون ناتجًا عن انخفاض الإريثروبويتين أو نقص الحديد أو B12 أو الفولات أو فقدان الدم أو الالتهاب أو أكثر من سبب في الوقت نفسه.

عندما تتأثر الكلى بالفيتامينات والمعادن
العلاقة بين الكلى والعناصر الغذائية لا تتوقف عند فقر الدم. فالكلى تساعد أيضًا في الحفاظ على توازن مجموعة من المعادن والفيتامينات المهمة في الجسم ومن أبرزها الكالسيوم، والفوسفور، وفيتامين D.
في الشخص السليم تساعد الكلى على تنظيم كمية الكالسيوم والفوسفور الموجودة في الدم كما تقوم بتحويل فيتامين D إلى الصورة النشطة التي يستطيع الجسم الاستفادة منها.
لكن عندما تقل وظائف الكلى قد تقل قدرتها على القيام بهذه الوظائف. فينخفض إنتاج فيتامين D النشط،وقد يحدث اضطراب في مستويات الكالسيوم والفوسفور مما يؤثر مع الوقت في صحة العظام.
وهنا نلاحظ أن مرض الكلى لا يؤثر فقط في التخلص من الفضلات وإنما يمكن أن يغيّر طريقة تعامل الجسم مع بعض العناصر الغذائية والهرمونات.
ولهذا السبب قد يحتاج مريض الكلى إلى متابعة بعض التحاليل مثل الكالسيوم، والفوسفور، وفيتامين D، و(PTH) بحسب مرحلة المرض وحالته الصحية.
وهذا يوضح لنا نقطة مهمة: ليس كل نقص في عنصر غذائي عند مريض الكلى سببه أن الطعام لا يحتوي على هذا العنصر ففي بعض الحالات يكون مرض الكلى نفسه جزءًا من المشكلة لأنه يؤثر في امتصاص العنصر أو تحويله إلى صورته الفعالة أو تنظيم مستواه في الدم.
ماذا يحدث للسوائل والمعادن عندما تضعف الكلى؟
من أهم وظائف الكلى أنها تحافظ على توازن الماء والأملاح والمعادن في الجسم. فعندما تعمل الكلى بشكل طبيعي تتخلص من الكميات الزائدة من بعض هذه المواد وتحافظ على الكمية التي يحتاجها الجسم.
لكن عندما تتراجع وظائف الكلى قد تصبح أقل قدرة على التخلص من بعض المواد الزائدة ولذلك يمكن أن يحدث اضطراب في مستوياتها في الدم. ومن أهم العناصر التي تتم متابعتها عند مرضى الكلى: الصوديوم، والبوتاسيوم، والفوسفور، والكالسيوم بالإضافة إلى توازن السوائل.
البوتاسيوم (Potassium)
البوتاسيوم معدن مهم جدًا لعمل العضلات والأعصاب ومن ضمنها عضلة القلب. لكن عندما لا تستطيع الكلى التخلص من البوتاسيوم بشكل كافي قد يرتفع مستواه في الدم وهذا قد يكون خطيرًا.
وفي المقابل يمكن أن يكون مستوى البوتاسيوم منخفضًا لدى بعض المرضى أيضًا لذلك كمية البوتاسيوم المناسبة تعتمد على وظائف الكلى والأدوية ونتيجة تحليل الدم.
الفوسفور (Phosphorus)
يساعد الفوسفور مع الكالسيوم في الحفاظ على صحة العظام. ومع تراجع وظائف الكلى قد تقل قدرة الجسم على التخلص من الفوسفور الزائد فيرتفع مستواه في الدم.
ومع استمرار هذا الاضطراب يمكن أن يتأثر توازن الكالسيوم وصحة العظام ولذلك قد يحتاج بعض مرضى الكلى إلى تنظيم كمية الفوسفور في غذائهم خاصة في المراحل المتقدمة من المرض.
الصوديوم (Sodium)
تساعد الكلى السليمة على تنظيم كمية الصوديوم والماء في الجسم. وعندما تتراجع وظائفها يمكن أن يؤدي تناول كميات كبيرة من الصوديوم إلى زيادة احتباس السوائل، وارتفاع ضغط الدم وزيادة التورم لدى بعض المرضى.
لهذا السبب غالبًا ما يكون تقليل الملح والصوديوم جزءًا مهمًا من النظام الغذائي لمرضى الكلى لكن الكمية المناسبة تختلف حسب حالة الشخص.
السوائل
حتى الماء الذي يحتاجه الجسم يوميًا قد يحتاج إلى تنظيم في بعض مراحل مرض الكلى. فإذا كانت الكلى غير قادرة على التخلص من الماء الزائد، فقد يتراكم السائل في الجسم ويسبب التورم وارتفاع ضغط الدم وزيادة العبء على القلب.
لكن هذا لا يعني أن جميع مرضى الكلى يجب أن يقللوا شرب الماء. كمية السوائل المناسبة تعتمد على وظائف الكلى وكمية البول ووجود التورم ومرحلة المرض وما إذا كان الشخص يخضع لغسيل الكلى.
وهنا تظهر أهمية المتابعة الغذائية الفردية فالنظام الغذائي المناسب لمريض الكلى لا يعتمد على قائمة ثابتة من الأطعمة الممنوعة وإنما يتغير حسب تحاليل الدم ومرحلة مرض الكل، والأدوية والغسيل إن وجد والحالة الغذائية للشخص.
الخلاصة
الكلى ليست مجرد عضو مسؤول عن التخلص من الفضلات وتكوين البول بل هي جزء أساسي من منظومة تحافظ على توازن الجسم.
فهي تشارك في تنظيم السوائل والأملاح والمعادن وتنتج هرمون الإريثروبويتين الذي يحفز نخاع العظم على إنتاج خلايا الدم الحمراء كما تساعد في تنشيط فيتامين D وتنظيم الكالسيوم والفوسفور.
وعندما تتراجع وظائف الكلى قد تتأثر هذه العمليات معًا فيظهر فقر الدم نتيجة انخفاض الإريثروبويتين وقد تتأثر مستويات الحديد أو قدرة الجسم على استخدامه كما قد تحدث اضطرابات في B12 والفولات والكالسيوم والفوسفور والبوتاسيوم والصوديوم وفيتامين D إضافة إلى تغيرات في توازن السوائل..
و إن أفضل تغذية لمريض الكلى هي التغذية المبنية على حالته وتحاليله وليس على قائمة ثابتة من الممنوعات والمسموحات.
المصادر
Nutrition Therapy and Pathophysiology
https://www.niddk.nih.gov/health-information/kidney-disease/kidneys-how-they-work?utm_source
https://www.niddk.nih.gov/health-information/kidney-disease/anemia?utm_source
للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية
يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.
- رقم واتساب العيادة: 00962795581329
- موقع العيادة الالكتروني: www.samaraketolife.com

