مقدمة
يعد الجهاز الهضمي من أهم أجهزة الجسم واكثرهم تعقيدًا فهو المسؤول عن هضم الطعام والاستفادة من العناصر الغذائية الموجودة فيه.
وتستخدم المعدة حمض الهيدروكلوريك وإنزيمات هاضمة للمساعدة في تكسير الطعام وخاصة البروتينات. وعلى الرغم من قوة هذه المواد فإن بطانة المعدة والإثني عشر تمتلك وسائل حماية طبيعية تساعدها على مقاومة تأثير الحمض والإنزيمات مثل المخاط والبيكربونات وتجدد خلايا الغشاء المخاطي.
ويعتمد الحفاظ على سلامة المعدة والإثني عشر على وجود توازن بين العوامل التي تسبب الضرر مثل حمض المعدة وإنزيم الببسين وبكتيريا H. pylori، وبعض الأدوية وبين العوامل التي تحمي بطانة المعدة مثل المخاط والبيكربونات وقدرة الخلايا على التجدد وإصلاح الأنسجة.
وعندما يختل هذا التوازن وتصبح العوامل المسببة للضرر أقوى من وسائل الحماية قد تتعرض بطانة المعدة أو الإثني عشر للتلف مما يؤدي إلى ظهور تقرّحات تعرف باسم داء القرحة الهضمية (Peptic Ulcer Disease – PUD).
وتجدر الإشارة!!!!!
إلى أن العوامل التي تسبب ضرر مثل حمض المعدة والببسين لها دور طبيعي وأساسي في عملية الهضم ولكن زيادة تأثيرها أو ضعف وسائل الحماية قد يؤدي إلى تلف بطانة المعدة أو الإثني عشر.
مفهوم القرحة الهضمية وموقعها في الجهاز الهضمي
تعريف القرحة الهضمية
تعرَّف القرحة الهضمية بأنها تقرّحات تحدث في الغشاء المخاطي المبطن للمعدة أو الإثني عشر. وما يميز القرحة عن التهيّج أو التآكل السطحي البسيط هو أنها تتجاوز الطبقة المخاطية وتمتد إلى الطبقة تحت المخاطية مما يجعل الأنسجة الموجودة أسفلها أكثر عرضة لتأثير حمض المعدة وإنزيم الببسين.

أين تحدث القرحة بالتحديد؟
تظهر القرحة الهضمية عادة في منطقتين رئيسيتين:
- غار المعدة: وهو الجزء السفلي من المعدة والقريب من مخرجها.
- بداية الإثني عشر: وهو الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة والقريب مباشرة من المعدة.
وتعد هذه المناطق من أكثر المواقع شيوعًا لظهور القرحة الهضمية.
كيف تتطور القرحة ويزداد الضرر؟
- زيادة عمق القرحة: قد تستمر القرحة في التعمق عبر طبقات جدار المعدة أو الإثني عشر وفي الحالات المتقدمة وغير المعالجة قد تصل إلى حدوث ثقب كامل في جدار المعدة أو الإثني عشر.
- استمرار الضرر والتهيّج: عندما تتضرر طبقة الحماية في المنطقة المصابة تصبح الأنسجة أكثر عرضة لتأثير حمض المعدة والإنزيمات الهاضمة وخاصة إنزيم الببسين. ومع استمرار هذا التأثير قد يزداد تلف الأنسجة وتتعمق القرحة أكثر.

أسباب الإصابة بالقرحة الهضمية
تحدث القرحة الهضمية نتيجة مجموعة من العوامل التي تؤثر في التوازن بين العوامل المؤذية والعوامل التي تحمي بطانة المعدة والإثني عشر. ومن أهم هذه العوامل العدوى ببكتيريا الملوية البوابية (H. pylori) واستخدام بعض الأدويه بالإضافة إلى عوامل أخرى قد تؤثر في سلامة بطانة المعدة أو تزيد من إفراز الحمض.
1. العدوى ببكتيريا الملوية البوابية (H. pylori)
تعد بكتيريا الملوية البوابية من أهم العوامل المرتبطة بالقرحة الهضمية.
وهي بكتيريا حلزونية الشكل تعيش تحت الطبقة المخاطية للمعدة وتلتصق بالخلايا التي تفرز المخاط.
وعلى الرغم من أن نسبة كبيرة من الأشخاص قد تكون مصابة بهذه البكتيريا فإن معظمهم لا يصابون بالقرحة ولا تظهر لديهم أعراض واضحة.
وتختلف احتمالية حدوث المضاعفات من شخص لآخر بحسب استجابة:
١-جهاز المناعة
٢-ونوع البكتيريا
٣-وبعض العوامل البيئية.
وتستطيع البكتيريا تفكيك مادة اليوريا وإنتاج الأمونيا مما يساعدها على تقليل تأثير الحمض المحيط بها والبقاء في البيئة الحمضية للمعدة.
كما تنتج مواد قد تؤدي إلى إتلاف الخلايا المخاطية والتسبب في التهاب مستمر مما يضعف الحاجز المخاطي الذي يحمي بطانة المعدة.
كما ارتبطت هذه البكتيريا بزيادة خطر الإصابة ببعض الأورام الخبيثة في المعدة
2. عوامل تضعف حماية بطانة المعدة
هناك بعض العوامل التي قد تضعف الحاجز الواقي لبطانة المعدة:
ومن أهمها انخفاض المواد التي تساعد على حمايتها مثل البروستاغلاندينات.
وقد يحدث ذلك نتيجة استخدام بعض الأدوية وخاصة مضادات الالتهاب غير الستيرويدية مثل الإيبوبروفين، أو نتيجة تناول الكحول.
كما قد تساهم بعض الأدوية الستيرويدية وزيادة إفراز الهرمونات القشرية السكرية في زيادة خطر الإصابة.
كذلك فإن العوامل التي تقلل من تدفق الدم إلى بطانة المعدة مثل التدخين والتوتر الشديد والصدمة قد تؤثر في قدرة الغشاء المخاطي على حماية نفسه وإصلاح الأنسجة.
3. عوامل تزيد من إفراز حمض المعدة
يمكن أن تساهم زيادة إفراز حمض المعدة في ظهور القرحة الهضمية.
ومن العوامل التي قد تزيد من إفراز الحمض ارتفاع مستوى هرمون الجاسترين بالإضافة إلى سرعة انتقال محتويات المعدة إلى الإثني عشر مما قد يزيد من تعرضه للعوامل الهجومية.
هرمون الجاسترين هو هرمون تنتجه خلايا موجودة في بطانة المعدة ووظيفته الأساسية هي تحفيز المعدة على إفراز حمض الهيدروكلوريك الذي يساعد على هضم الطعام خصوصًا البروتينات.
ولذلك إذا ارتفع مستوى الجاسترين بشكل غير طبيعي يمكن أن يؤدي إلى زيادة إفراز حمض المعدة وهذا قد يساهم في تلف بطانة المعدة أو الإثني عشر وزيادة خطر القرحة.
4. القرحة مجهولة السبب والعوامل الوراثية
في بعض الحالات قد تظهر القرحة الهضمية دون وجود سبب واضح وتُعرف هذه الحالات بالقرحة مجهولة السبب.
كما تشير الدراسات إلى أن القرحة الهضمية تكون أكثر شيوعًا لدى أقارب الدرجة الأولى للأشخاص المصابين مقارنةً بعامة الناس.
وقد يكون ذلك مرتبطًا بعوامل وراثية أو بتعرض أفراد العائلة للعوامل نفسها مثل العدوى ببكتيريا الملوية البوابية.
أعراض وعلامات القرحة الهضمية
تختلف أعراض القرحة الهضمية من شخص لآخر وقد لا تظهر أي أعراض لدى بعض الأشخاص.
وعندما تظهر الأعراض فإنها قد تختلف في شدتها وطبيعتها بحسب حالة القرحة ومكانها.
1. العرض الأكثر شيوعًا
- ألم أو حرقان في أعلى البطن: قد يشعر الشخص بألم أو إحساس بالحرقة في المنطقة الواقعة بين أسفل عظمة الصدر والسرة.
- وقد يزداد الألم لدى بعض الأشخاص عندما تكون المعدة فارغة مثل الفترة بين الوجبات أو أثناء الليل وقد يتحسن مؤقتًا بعد تناول الطعام أو استخدام مضادات الحموضة.
2. الأعراض الهضمية المصاحبة
- الشعور بالامتلاء والشبع السريع
- الغثيان والتقيؤ
- التجشؤ والانتفاخ
- تغير الشهية
3. علامات تستدعي مراجعة الطبيب فورًا
قد تشير بعض الأعراض إلى حدوث مضاعفات للقرحة ومنها:
- التقيؤ المصحوب بالدم: وقد يظهر الدم بلون أحمر أو داكن يشبه تفل القهوة.
- البراز الأسود: قد يصبح لون البراز أسود وقاتمًا بسبب وجود نزيف في الجزء العلوي من الجهاز الهضمي.
- الدوخة الشديدة أو الإغماء: قد تحدث نتيجة فقدان كمية من الدم، خاصةً عند وجود نزيف.
- ألم شديد ومفاجئ في البطن: قد يكون علامة على حدوث مضاعفات خطيرة، مثل انثقاب جدار المعدة أو الإثني عشر.
- صعوبة في البلع أو استمرار القيء: قد تحتاج هذه الأعراض إلى تقييم طبي لمعرفة سببها.
التدخل التغذوي في داء القرحة الهضمية (Peptic Ulcer Disease – PUD)
1. أهداف التدخل التغذوي
تتمثل أهم أهداف الرعاية التغذوية لمرضى القرحة الهضمية في:
- دعم العلاج الطبي الموصوف للمريض.
- المحافظة على الحالة التغذوية ومنع حدوث فقدان غير مقصود للوزن.
- ضمان الحصول على كمية كافية من الطاقة والعناصر الغذائية.
- تقليل الألم والانزعاج والأعراض الهضمية المرتبطة بتناول بعض الأطعمة.
- تحديد الأطعمة التي تسبب أعراضًا لدى المريض وتعديل النظام الغذائي وفقًا لتحمله الفردي.
2. التوصيات الغذائية
أ. تجنب الأطعمة والمشروبات التي قد تزيد الأعراض
قد يُنصح المريض بتجربة الحد من بعض الأطعمة التي قد تزيد إفراز الحمض أو تسبب تهيجًا مباشرًا في الغشاء المخاطي للمعدة خاصة إذا لاحظ ارتباطها بظهور الأعراض. ومن هذه الأطعمة والمشروبات:
- الفلفل الأسود والأحمر الحار.
- الكافيين.
- القهوة، بما فيها القهوة منزوعة الكافيين.
- المشروبات الكحولية.
- أي أطعمة أخرى يلاحظ المريض أنها تسبب له عدم تحمل أو تزيد الأعراض.
ولا يُشترط تجنب هذه الأطعمة لدى جميع المرضى إذ يختلف تحملها من شخص إلى آخر.
ب. الحليب ومنتجات الألبان
كان يُعتقد سابقًا أن الحليب والقشدة يساعدان في تخفيف أعراض القرحة، إلا أن استهلاكهما قد يزيد إفراز الجاسترين وإفرازات المعدة ولذلك لا يُنصح باستخدام الحليب أو القشدة كعلاج للقرحة.
ويمكن اختيار منتجات الألبان قليلة الدسم مثل الحليب قليل الدسم واللبن قليل الدسم وفقًا لتحمل المريض.
ج. الأطعمة الحمضية والعصائر
لا يُنصح بمنع الأطعمة أو العصائر الحمضية بشكل روتيني لمجرد كونها حمضية إذ إن درجة حموضة الطعام قبل تناوله لا تعني بالضرورة أنها ستؤدي إلى زيادة حموضة المعدة بعد تناوله. لذلك يمكن تناولها إذا كان المريض يتحملها مع تجنبها فقط إذا كانت تسبب له أعراضًا أو تهيجًا واضحًا.
د. حجم الوجبات وتوقيتها
يُعد تنظيم الوجبات جزءًا مهمًا من التدخل التغذوي. ويمكن للمريض الاستفادة من:
- تناول وجبات صغيرة ومتكررة بدلًا من الوجبات الكبيرة.
- تجنب تناول وجبات كبيرة بالقرب من وقت النوم.
- عدم الاستلقاء مباشرة بعد تناول الطعام.
- اختيار حجم وتوقيت الوجبات بما يتناسب مع قدرة المريض على التحمل وتقليل الأعراض.
3. اختيار الأطعمة وفقًا لتحمل المريض
لا يحتاج مريض القرحة الهضمية إلى نظام غذائي شديد التقييد وإنما يُفضل اختيار الأطعمة التي تكون جيدة التحمل وتجنب الأطعمة التي تسبب أعراضًا. ويمكن الاسترشاد بالتوصيات الآتية:
| المجموعة الغذائية | أطعمة يُنصح بها | أطعمة يُفضل تجنبها عند وجود الأعراض |
|---|---|---|
| المشروبات | المشروبات العشبية | الكولا، القهوة، الشاي، الكاكاو، والمشروبات الكحولية |
| الحليب ومنتجاته | الحليب خالي أو قليل الدسم، واللبن قليل الدسم | الحليب كامل الدسم أو 2%، القشدة، اللبن عالي الدسم، وحليب الشوكولاتة |
| البيض | البيض المسلوق أو المطهو بطرق قليلة الدهون | البيض المقلي أو المحضر باستخدام كميات كبيرة من الدهون |
| الحبوب والنشويات | الحبوب المطبوخة والجاهزة للأكل، والأرز والمعكرونة والخبز | الأطعمة النشوية المقلية، مثل البطاطا المقلية |
| اللحوم ومصادر البروتين | اللحوم والدواجن والأسماك المخبوزة أو المشوية أو المسلوقة والمنزوعة الدهون، والجبن قليل الدسم | اللحوم المقلية واللحوم المصنعة عالية الدهون مثل النقانق والسلامي والمرتديلا |
| الخضروات | جميع الأنواع حسب تحمل المريض | الأنواع التي تسبب عدم تحمل أو تزيد الأعراض لدى المريض |
| الفواكه | جميع الأنواع حسب التحمل الفردي | الأنواع التي تسبب أعراضًا أو عدم تحمل |
| الدهون | بكميات مناسبة ووفق الإرشادات الغذائية العامة وتحمل المريض | الدهون أو الأطعمة التي تسبب أعراضًا لدى المريض |
| الحلويات | الحلويات قليلة الدهون | الحلويات عالية الدهون أو المقلية، مثل بعض المعجنات والدونات |
| التوابل | الأعشاب والتوابل التي يتحملها المريض | الفلفل، وخاصة إذا كان يسبب تهيجًا أو زيادة في الأعراض |
4. متابعة العناصر الغذائية
قد يحتاج بعض المرضى إلى متابعة تناولهم أو مستويات بعض المغذيات الدقيقة خاصة الحديد والكالسيوم وفيتامين B12 وذلك وفقًا للحالة الغذائية والتقييم الفردي للمريض.
وتُحدد الحاجة إلى المكملات الغذائية بناءً على تقييم الحالة وليس بشكل روتيني لجميع المرضى.
الخلاصة:
يركز التدخل التغذوي في داء القرحة الهضمية على تقليل الأعراض وتحسين القدرة على تناول الغذاء والمحافظة على الحالة التغذوية وليس على اتباع حمية صارمة لجميع المرضى.
ويُعد تجنب الأطعمة المحفزة للأعراض وفقًا للتحمل الفردي وتنظيم حجم وتوقيت الوجبات وضمان كفاية المدخول الغذائي من أهم مبادئ الرعاية التغذوية لمرضى PUD.
للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية
يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.
- رقم واتساب العيادة: 00962795581329
- موقع العيادة الالكتروني: www.samaraketolife.com
المصادر
Nutrition Therapy &Pathophysiology FOURTH EDITION

