حكاية أجساد تقاوم حتى بأمعائها

التغذية ليست مجرد طعام على المائدة فقط بس هي أعمق من ذلك بكثير !

عندما نتحدث عن التغذية غالبًا ما نفكر في السعرات الحرارية والبروتين والفيتامينات ومأكولات وما يجب أن نضعه في طبقنا كل يوم. لكن التغذية في حقيقتها أوسع بكثير من ذلك فهي تبدأ قبل وصول الطعام إلى الطبق أصلًا.

فحتى يحصل الإنسان على تغذية كافية لا يكفي أن يكون الطعام موجودًا في مكان ما .بل يجب أن يكون متاحًا له ويكون قادرًا على الحصول عليه وأن يكون آمنًا ومغذيًا وقادرًا على تلبية احتياجاته على اختلافها .

وهنا يظهر مفهوم الأمن الغذائي (Food Security) :أي أن يتمتع الإنسان في جميع الأوقات بإمكانية الوصول إلى غذاء كافي وآمن ومغذي و يلبي احتياجاته الغذائية والنفسية كذلك وليس مجرد الحصول على شيء يسد الجوع فقط .

ولفهم الفرق يكفي أن ننظر إلى ما يحدث في أماكن مثل غزة والسودان حيث لم تعد المشكلة في اختيار الطعام الأفضل أو اتباع نظام غذائي متوازن بل أصبح الوصول إلى الغذاء نفسه تحديًا مهدداً لبقاءهم .

وهنا نصل إلى سؤال أكبر من مجرد: ماذا يأكل الإنسان ؟

فماذا يحدث لجسم الإنسان عندما يُحرم من الطعام لفترة طويلة؟ وماذا يحدث عندما يعود الطعام بعد هذا الحرمان؟ وهل لهذا آثار مستقبلية حتى بعد توافر الغذاء ؟

لذلك علينا أولًا أن نميّز بين الجوع والمجاعة وأن نفهم كيف يتعامل الجسم مع الحرمان الغذائي؟ وكيف يمكن أن تترك المجاعة آثارًا تمتد إلى الجسد بل للطفولة أيضاً والصحة النفسية وحتى العلاقة مع الطعام نفسها.

الجوع والمجاعة… هل هما الشيء نفسه؟

من وجهة نظري الجوع والمجاعة ليستا مجرد كلمتين متشابهتين فخلف كل منهما معاني وقصص وتجارب إنسانية مختلفة. وقد تكون أحيانًا أكبر بكثير مما توحي به الكلمة نفسها.

الجوع هو نتيجة عدم حصول الإنسان على كمية كافية من الطعام لتلبية احتياجات جسمه. وقد يكون مؤقتًا أو يحدث نتيجة ظروف مختلفة مثل المرض أو

أما المجاعة: فهي شيء أكبر وأشد من مجرد شعور الفرد بالجوع !إنها أزمة واسعة النطاق يصل فيها الحرمان من الغذاء إلى مستويات شديدة الخطورة وتترافق مع انتشار الجوع الحاد وسوء التغذية والوفيات. اي يممكن القول بانها حدوث وفيات مرتبطة بالجوع بسبب عدم وصول الافراد الى الغذاء اما بسبب الحروب أوالحصار الممارس على بعض الشعوب. ومن وجهة نظري المجاعة تتشابة مع كلمة ابادة فكلاهما يقودان للموت حتى المجاعة ممكن أن تكون أشد لانها تؤدي الى الموت البطئ واستنزاف الجسد لنفسه رودياً. ووفق التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC)، تُصنَّف المجاعة عندما تجتمع مؤشرات شديدة الخطورة تتعلق بنقص الغذاء وسوء التغذية الحاد والوفيات على مستوى السكان.

الأمن الغذائي

وهنا تظهر أهمية مفهوم الأمن الغذائي (Food Security) الذي تحدثنا عنه سابقًا فهو لا يعني فقط وجود الطعام فقط !

وإنما يشمل:

  • توفره
  • إمكانية الوصول إليه
  • الاستفادة منه غذائيًا
  • استقرار الحصول عليه مع مرور الوقت.

وعندما تنهار هذه العناصر معًا لا يعود السؤال: ماذا سأختار أن آكل اليوم؟

بل يصبح السؤال:

هل سأجد شيئًا آكله أصلًا؟

وهذا هو أحد أكثر الجوانب قسوة في المجاعات فالإنسان لا يفقد القدرة على اختيار الطعام الصحي فحسب بل قد يفقد القدرة على الوصول إلى الطعام نفسه.

ولهذا فإن ما نشهده في مناطق مثل غزة والسودان لا يمكن اختزاله ووصفه في كلمة جوع!

فالأزمات الغذائية واسعة النطاق يمكن أن تتداخل فيها عوامل كثيرة:

  • تدمير مصادر الغذاء
  • وتعطل الزراعة والأسواق
  • وصعوبة الوصول إلى الطعام والمياه
  • وفقدان الدخل
  • والنزوح
  • وغيرها من الظروف التي تجعل الحصول على الغذاء الكافي والآمن أمرًا بالغ الصعوبة بس يكاد أن يكون مستحيلاً.

وفي عالمنا اليوم حيث يمكن أن تصل أخبار الأزمات الإنسانية إلى مختلف أنحاء العالم خلال دقائق.يصبح الجوع الناتج عن انهيار منظومة الغذاء أكثر من مجرد مشكلة فردية فهو أزمة تمس الإنسان وأسرته ومجتمعه وتمتد آثارها إلى صحته ومستقبله .

لذلك لا ينبغي أن يكون دورنا مجرد مشاهدة هذه المعاناة!

بل أصبح من واجبنا الإنساني أن نقف إلى جانب من يواجهون المجاعة وأن نساهم بما نستطيع في تخفيف معاناتهم ودعم حقهم في الحصول على الغذاء والأمان.

لكن ماذا يحدث داخل الجسم عندما يستمر هذا الحرمان من الطعام؟

فالجسم لا يتوقف عن العمل عندما لا يصله الطعام. بل يبدأ بتغيير طريقة حصوله على الطاقة ويستهلك مخزوناته تدريجيًا ثم يبدأ مع استمرار الحرمان باستخدام أنسجته الخاصة للبقاء على قيد الحياة يعني يمكننا القول أن الجسم ببدأ يأكل بنفسه .

ماذا يفعل الجوع بالجسم؟

عندما لا يحصل الإنسان على ما يكفيه من الطعام لا يتوقف الجسم عن العمل بل يبدأ بتغيير طريقة حصوله على الطاقة في محاولة للحفاظ على الوظائف الأساسية والبقاء على قيد الحياة.

في البداية يعتمد الجسم على الجليكوجين (Glycogen) المخزن خصوصًا في الكبد للمحافظة على مستوى سكر الدم وتوفير الطاقة. لكن هذه المخازن محدودة ومع استمرار نقص الطعام يبدأ الجسم بالاعتماد بدرجة أكبر على الدهون المخزنة كمصدر للطاقة.

ومع استمرار الحرمان الغذائي، تزداد عملية تكسير الدهون، وينتج عنها الأجسام الكيتونية (Ketone bodies) التي يستطيع الجسم ومن ضمنه الدماغ استخدامها كمصدر للطاقة. وهذه التغيّرات تمثل جزءًا من محاولة الجسم التكيف مع غياب الغذاء.

لكن الجسم لا يستطيع الاعتماد على الدهون وحدها إلى ما لا نهاية.

ومع استمرار التجويع، يبدأ الجسم أيضًا بتكسير البروتين وخاصة بروتين العضلات للحصول على الأحماض الأمينية التي يحتاجها لصنع الجلوكوز وبعض المركبات الضرورية لانتاج الطاقة وغيرها من الوظائف . لذلك فإن فقدان الوزن خلال المجاعة لا يعني فقدان الدهون فقط بل قد يعني فقدانًا واضحًا في الكتلة العضلية أيضًا.

ومع مرور الوقت لا يقتصر تأثير الجوع على الوزن. فقد تتأثر المناعة وقوة العضلات والقدرة على الحركة ووظائف الأعضاء وتنظيم حرارة الجسم كما يمكن أن تظهر نواقص في الفيتامينات والمعادن نتيجة عدم كفاية الغذاء أو محدودية تنوعه.

ويحاول الجسم في هذه المرحلة أن يوفر الطاقة قدر الإمكان فينخفض معدل الأيض وتتباطأ بعض العمليات الفسيولوجية لأن الجسم لم يعد يتعامل مع نقص الطعام على أنه مجرد يوم لم يحصل فيه الإنسان على وجبة وإنما كحالة تستدعي الحفاظ على الطاقة والموارد المتاحة.

وهنا تظهر حقيقة قاسية:

الجسم يستطيع أن يتكيف مع الجوع لفترة من الزمن لكنه يفعل ذلك على حساب موارده الخاصة.

في البداية يستهلك ما خزنه ثم يعتمد بصورة أكبر على الدهون ومع استمرار الحرمان يبدأ بفقدان جزء من أنسجته ووظائفه في سبيل المحافظة على أهم العمليات الحيوية .

مع استمرار الحرمان الشديد يصل الجسم إلى مرحلة تصبح فيها موارده وقدرته على التكيف غير كافية.

يحدث فقدان شديد للكتلة العضلية والدهون وضعف شديد في المناعة ووظائف الأعضاء واضطرابات في السوائل ويمكن أن تتدهور وظائف القلب والتنفس وأعضاء أخرى.

في النهاية قد يحدث فشل متعدد في الأعضاء وتصبح قدرة الجسم على الحفاظ على الحياة غير كافية وقد تنتهي الحالة بالوفاة.

المجاعة لا تحدث في يوم واحد

المجاعة لا تبدأ فجأة ولا تعني أن الطعام اختفى من مكان ما في يوم وليلة. غالبًا ما تسبقها مراحل متتالية من تدهور الأمن الغذائي تبدأ بصعوبة الحصول على الغذاء ثم تتفاقم مع الوقت إلى نقص شديد في كمية الطعام وجودته وارتفاع مستويات سوء التغذية وصولًا إلى مرحلة تصبح فيها حياة الناس مهددة بشكل مباشر.

فمع استمرار الأزمة قد تضطر الأسر إلى تقليل عدد الوجبات ثم تقليل كمية الطعام في كل وجبة والتخلي عن الأطعمة الأكثر تكلفة أو تنوعًا وقد يصل الأمر إلى بيع الممتلكات أو مصادر الدخل من أجل شراء الطعام.

ومع نفاد هذه الوسائل تصبح الخيارات أقل فأقل ويبدأ الإنسان بالاعتماد على أي مصدر متاح للطعام حتى لو كان غير كافي أو غير آمن.

وفي المراحل الأشد لا تعود المشكلة مقتصرة على أن الأسرة لا تستطيع شراء الطعام بل قد تصبح مصادر الغذاء نفسها غير متاحة. فتتأثر الزراعة والثروة الحيوانية والصيد والأسواق وطرق نقل الغذاء ويصبح الحصول على الماء الآمن والرعاية الصحية أكثر صعوبة أيضًا.

وهكذا تتحول الأزمة من مشكلة غذائية إلى أزمة تمس مختلف جوانب الحياة.

ولهذا تُستخدم مؤشرات متعددة لتحديد شدة انعدام الأمن الغذائي ولا تُعلن المجاعة لمجرد وجود الجوع وإنما عندما تصل الأزمة إلى مستويات شديدة من الحرمان من الغذاء وسوء التغذية والوفيات وفق معايير محددة.

وهنا يمكننا أن نفهم لماذا لا تكفي عبارة الناس جائعة لوصف ما يحدث في المجاعات.

فالمجاعة تعني أن الإنسان قد يفقد شيئًا بعد شيء من مقومات الحياة قدرته على الحصول على الطعام ثم قدرته على إنتاجه ثم قدرته على الحفاظ على صحته في ظل هذا الحرمان.

لكن ماذا يحدث عندما لا يتوقف الأمر عند فقدان الطعام بل تُدمَّر أيضًا مصادر إنتاجه؟

هنا تبدأ قصة أخرى من آثار الحروب والابادة

الحرب لا تدمر الطعام فقط بل تدمر القدرة على إنتاجه

عندما نتحدث عن المجاعة قد نتخيل أن المشكلة تكمن فقط في عدم وجود الطعام لكن الصورة أكبر من ذلك بكثير.

فالغذاء الذي يصل إلى طبقنا يمر بسلسلة طويلة تبدأ من الأرض والمياه والزراعة وتربية الحيوانات والصيد ثم التخزين والنقل والأسواق. وعندما تتعرض هذه المنظومة للدمار لا يفقد الإنسان طعامه الموجود اليوم فقط بل قد يفقد أيضًا قدرته على إنتاج طعام الغد.

وهذا أحد الآثار التي يمكن أن تتركها الحروب على الأمن الغذائي.

وعند الحديث عن غزة والسودان من المهم أن نفهم أن آثار المجاعة لا تنتهي بمجرد وصول المساعدات الغذائية فقط . فعندما تُدمَّر الأراضي الزراعية أو تُفقد الحيوانات أو تتعطل مصادر المياه أو تتوقف الأسواق. لا يفقد الناس الطعام المتاح لهم فحسب بل يفقدون أيضًا جزءًا من قدرتهم على إنتاج الغذاء والحصول عليه. لذلك حتى مع وصول المساعدات قد يستمر أثر المجاعة لفترة طويلة لأن إعادة بناء مصادر الغذاء وسبل الحصول عليه تحتاج إلى وقت وأمان وموارد .

لذلك فإن آثار الحرب على لا تُقاس فقط بعدد الوجبات التي لم يحصل عليها الإنسان وإنما أيضًا بما فُقد من مصادر الغذاء وسبل إنتاجه.

فقد يُعطى الإنسان كيسًا من الطحين اليوم لكن ماذا سيحدث غدًا إذا لم تعد الأرض قادرة على أن تعطيه محصولًا؟

المجاعة والحمل عندما لا تجوع الأم وحدها

الحمل بحد ذاته مرحلة ترتفع فيها احتياجات الجسم من الطاقة والبروتين والفيتامينات والمعادن، لأن جسم الأم لا يعمل فقط للحفاظ على صحته، بل يدعم في الوقت نفسه نمو جنين جديد.

ولهذا تصبح القدرة على الحصول على غذاء كافي ومتنوع خلال هذه المرحلة أكثر أهمية. لكن عندما يستمر نقص الغذاء قد لا تحصل المرأة على ما يكفي من الطاقة والبروتين والعناصر الاساسية .وقد تصبح أكثر عرضة لنقص بعض المغذيات الاساسية في نمو وتطور الجنين مثل الحديد والفولات وغيرها من العناصر المهمة خلال الحمل.

والأصعب أن المرأة الحامل في ظروف المجاعة قد لا تواجه مشكلة نقص الطعام وحدها فقد تترافق المجاعة مع نقص المياه الآمنة وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية والنزوح والمرض والضغط النفسي وهي عوامل يمكن أن تزيد من معاناة الأم والجنين.

لذلك فإن حماية النساء الحوامل من الجوع وسوء التغذية ليست رفاهية وإنما جزء أساسي من حماية جيل كامل من الآثار الصحية التي قد تبدأ قبل الولادة.

عندما يصبح الطعام حلمًا للطفل وعندما تسلب البراءة

فالطفل الذي كان من المفترض أن يفكر في لعبة جديدة أو يومه في المدرسة أو ما يريد أن يصبح عليه عندما يكبر قد يصبح كل ما يشغله هو: متى ستكون الوجبة القادمة؟ وهل سيكون هناك طعام أصلًا؟

وفي ظروف المجاعة لا يحصل الأطفال على كمية أقل من الطعام فحسب بل قد لا يحصلون على الطعام أصلاً فيفتقر الجسم إلى العديد من العناصر التي يحتاجها الجسم للنمو. وهذا يجعل الأطفال من أكثر الفئات تأثرًا بسوء التغذية خصوصًا في السنوات الأولى من الحياة.

وهنا تحدث دائرة خطيرة فالطفل المصاب بسوء التغذية يصبح أكثر عرضة للمرض والمرض بدوره يمكن أن يقلل الشهية ويزيد احتياجات الجسم الغذائية ويؤثر في امتصاص المغذيات، فتزداد حدة سوء التغذية. وقد وصفت منظمة الصحة العالمية هذه العلاقة بأنها دائرة خطيرة بين سوء التغذية والمرض، تكون شديدة الخطورة خصوصًا لدى الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الشديد.

وكل ذلك الكلام لا يستطيع أن ينقل معنى أن يكبر طفل وهو يفكر في الطعام بدلًا من اللعب.

فالمجاعة لا تؤثر في جسد الطفل فقط إنها تسرق من طفولته أشياء لا يمكن قياسها .

وقد يمتد أثر سوء التغذية في الطفولة إلى ما هو أبعد من اللحظة الحالية إذ يمكن أن يؤثر سوء التغذية الشديد والمطول في النمو والتطور والصحة على المدى الطويل.

ولهذا فإن إنقاذ الطفل من المجاعة لا يعني فقط إعطاءه وجبة تسد جوعه اليوم بل يعني منحه فرصة للنمو، والتعلم، واللعب، وبناء مستقبله بعيدًا عن الخوف الدائم من الجوع.

عندما يصبح سدّ الجوع أهم من سلامة الطعام

عندما يصل الحرمان من الغذاء إلى مستويات شديدة تتغير حتى القواعد التي اعتدنا أن نربطها بالطعام.

نحن عادةً نسأل: هل هذا الطعام صحي؟ هل هو متوازن؟ هل يحتوي على ما يكفي من البروتين والفيتامينات؟ وهل هو آمن للاستهلاك؟

لكن عندما يشتد الجوع يصبح السؤال أقسى:

هل يوجد شيء يمكنني أن آكله اليوم؟

وهذا ما وثقته تقارير من غزة والسودان فقد وُصفت حالات لأسر تبحث بين أكياس القمامة وبقايا الطعام عن أي شيء يمكن تناوله بما في ذلك بقايا الطحين والخبز والعدس .

وفي ظروف أخرى أفادت تقارير بأن بعض الأسر لجأت إلى شراء طحين رديء ومليء بالحشرات عندما لم تعد تملك خيارات أخرى

وتناول الطعام الفاسد أو الملوث قد يضيف مشكلات أخرى :مثل التسمم الغذائي والعدوى والإسهال، وهي مشكلات تصبح أكثر خطورة لدى الشخص الذي يعاني أصلًا من سوء التغذية لأن جسمه يكون أكثر هشاشة وقدرته على مقاومة المرض أقل.

وعندما يصل الأمر إلى البحث عن الطعام بين النفايات فإننا لا نتحدث فقط عن الجوع بل عن انهيار الحد الأدنى من الأمان الغذائي الذي يحتاجه الإنسان ليعيش بكرامة.

المجاعة لا تنتهي عندما يتوفر الطعام

قد نعتقد أن معاناة الإنسان من الجوع تنتهي بمجرد أن يتوفر الطعام من جديد لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.

فالتعرض لفترة طويلة من الخوف والحرمان وعدم معرفة متى ستكون الوجبة التالية يمكن أن يترك أثرًا نفسيًا يمتد حتى بعد تحسن الظروف الغذائية.

ومن خلال تجربتي الشخصية عندما تعاملت مع أشخاص اضطروا إلى مغادرة غزة بسبب الحرب لاحظت أن آثار ما مرّوا به لم تكن مرتبطة بالأمراض الجسدية فقط!

بل ظهرت أيضًا في علاقتهم بالطعام وطريقة تفكيرهم فيه. كان الخوف من عدم توفر الطعام حاضرًا بقوة وكأن تجربة الحرمان جعلت الطعام بالنسبة لهم مرتبطًا بالأمان والنجاة وليس فقط بالجوع والشبع.

وهذا أمر يمكن فهمه فعندما يعيش الإنسان فترة لا يعرف فيها إن كان سيجد وجبته التالية قد يصبح الاحتفاظ بالطعام أو الخوف من نفاده أو التفكير المستمر في توفره جزءًا من استجابته لما عاشه.

لذلك قد لا تكون العودة إلى توفر الطعام كافية وحدها لإعادة العلاقة مع الطعام إلى طبيعتها. فالتعافي قد يحتاج أيضًا إلى الأمان والاستقرار والدعم النفسي إلى جانب توفير الغذاء الكافي والمتوازن.

ماذا يحدث للجسم عندما يعود الطعام بعد المجاعة؟

قد يبدو من الطبيعي جدًا أن نعطي الإنسان الذي حُرم من الطعام لفترة طويلة كمية كبيرة من الطعام بمجرد توفره

لكن في حالات سوء التغذية الشديد أو الحرمان الطويل من الطعام قد لا يكون الأمر بهذه البساطة.

فبعد فترة طويلة من نقص الغذاء يتكيف الجسم مع قلة الطاقة ويغيّر طريقة استخدامه للمغذيات. وعندما يعود الطعام فجأة وخصوصًا الكربوهيدرات ترتفع مستويات الإنسولين  ويبدأ الجسم بإدخال الجلوكوز إلى الخلايا ومعه تنتقل بعض المعادن المهمة من الدم إلى داخل الخلايا، أهمها الفوسفات والبوتاسيوم  والمغنيسيوم و الثيامين.

وهنا قد تحدث مشكلة تُعرف باسم (Refeeding Syndrome).

وهي مجموعة من التغيرات الخطيرة التي قد تحدث عند إعادة التغذية لشخص يعاني من سوء تغذية شديد وقد تؤثر في القلب والتنفس والجهاز العصبي وفي الحالات الشديدة قد تصبح مهددة للحياة.

إذًا هل يعني هذا أننا لا نعطي الطعام للشخص الجائع؟

الفكرة ليست منع الطعام وإنما أن إعادة ادخال الاطعام في حالات سوء التغذية الشديد يجب أن تتم بطريقة مدروسة وتحت إشراف طبي وتغذوي.

فالأشخاص الأكثر عرضة للمشكلة هم من لديهم سوء تغذية شديد أو فقدان وزن كبير أو تناولوا كميات قليلة جدًا أو لم يتناولوا الطعام لفترة طويلة خصوصًا مع وجود انخفاض في مستويات الفوسفات أو البوتاسيوم أو المغنيسيوم.

ولهذا قد تشمل خطة إعادة التغذية إعطاء الثيامين والفيتامينات ومراقبة مستويات الفوسفات والبوتاسيوم والمغنيسيوم ومتابعة السوائل والحالة السريرية مع زيادة كمية الغذاء تدريجيًا وفق حالة الشخص وخطره.

وهنا نفهم أن التغذية بعد المجاعة ليست مجرد إعطاء الطعام بل هي عملية علاجية تحتاج إلى تخطيط ومتابعة.

فالإنسان الذي حُرم من الطعام لفترة طويلة لا يحتاج فقط إلى أن يشبع بل يحتاج إلى أن يستعيد جسمه وظائفه .

الخلاصة

التغذية تبدأ قبل أن يصل الطعام إلى الطبق

فالغذاء يجب أن يكون متوفرًا ويمكن الوصول إليه، وآمنًا ومغذيًا ومستمرًا.

وعندما تُدمّر الحروب الأراضي الزراعية ومصادر المياه والثروة الحيوانية ووسائل الصيد والأسواق وطرق نقل الغذاء. فإنها لا تسلب الإنسان وجبته الحالية فقط بل قد تسلبه أيضًا قدرته على إنتاج وجبته القادمة.

وهذا ما يجعل المجاعة مختلفة عن مجرد الشعور بالجوع. فالجوع قد يكون لحظيًا وقد تكون له أسباب كثيرة أما المجاعة فهي انهيار واسع في القدرة على الحصول على الغذاء وقد تصل إلى مرحلة تهدد حياة أعداد كبيرة من الناس.

والأهم أن آثار المجاعة لا تنتهي بمجرد وصول الطعام.

فقد يحتاج الجسم إلى وقت حتى يستعيد قوته ومخازنه الغذائية. وقد يحتاج الشخص الذي عانى من الحرمان إلى رعاية نفسية حتى يستعيد شعوره بالأمان حول الطعام. وحتى إعادة التغذية نفسها قد تحتاج إلى تخطيط طبي في حالات سوء التغذية الشديد، لتجنب المضاعفات

للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية

يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.

المصادر

https://www.who.int/news/item/29-07-2025-ipc-gaza-strip-food-insecurity-and-malnutrition-alert?utm

https://www.ipcinfo.org/ipc-country-analysis/details-map/en/c/1159696?utm

https://aawsat.com/في-العمق/تحقيقات-وقضايا/5091612-أهالي-غزة-بين-ثالوث-الجوع-والفقر-والمرض-والعالم-يحصي-العقود-الضائعة

https://news.un.org/ar/story/2026/05/1144706

scroll to top