لماذا يسبب البصل الدموع عند تقطيعه؟

لماذا يسبب البصل الدموع عند تقطيعه؟

على الرغم من أن البصل يبدو غذاءً بسيطًا. فإن تقطيعه يطلق سلسلة من التفاعلات الكيميائية التي تؤدي في النهاية إلى تكوّن مادة متطايرة تصل إلى العين وتسبب الإحساس بالتهيج والدموع.

ولا تحدث هذه الظاهرة لأن البصل يحتوي على مادة مائية أو عصارة تهيج العين بشكل مباشر. وإنما نتيجة تغيرات تحدث داخل خلاياه عندما تتعرض للتقطيع. ففي البصلة السليمة تكون بعض المواد الكيميائية والإنزيمات محفوظة في أماكن منفصلة داخل الخلايا. لكن عند تقطيعها تتحطم هذه الخلايا وتختلط مكوناتها، فتبدأ تفاعلات تنتج مركبًا متطايرًا يصل إلى سطح العين. ومن هنا تبدأ العين بإطلاق الدموع كآلية طبيعية للدفاع والتنظيف.

أولًا: ماذا يحدث داخل البصل عند تقطيعه؟

تتكون خلايا البصل من مجموعة متنوعة من المركبات الكيميائية، ومن بينها مركبات تحتوي على الكبريت. وتكون هذه المركبات موجودة داخل البصلة في صورة لا تسبب الدموع طالما بقيت الخلايا سليمة. لكن عند استخدام السكين لتقطيع البَصل، تتحطم جدران وأغشية الخلايا، مما يسمح للمواد التي كانت منفصلة عن بعضها بالالتقاء.

وهنا يبدأ دور مجموعة من الإنزيمات الموجودة طبيعيًا في البَصل. ومن أهمها إنزيم يعرف باسم عامل اللاكريميتوري سينثيز (Lachrymatory Factor Synthase)، وهو إنزيم يرتبط بتكوين المادة المسؤولة عن تحفيز الدموع. كما يشارك إنزيم آخر يعرف باسم أليناز (Alliinase) في سلسلة التفاعلات التي تحدث بعد تلف خلايا البصل.

عندما تتعرض المركبات الكبريتية للتفاعل مع هذه الإنزيمات، تتكون مركبات وسيطة. وينتهي المسار بتكوين مادة متطايرة تعرف باسم عامل الدموع في البَصل. وتتميز هذه المادة بقدرتها على الانتشار في الهواء والوصول إلى العين بسرعة.

وهنا تكمن أهمية كون المادة متطايرة؛ فلو بقيت المادة داخل البصل ولم تنتقل إلى الهواء. لما وصلت إلى العين ولما حدثت الاستجابة نفسها. وكلما كان التقطيع أكثر حدة أو تسبب في تكسير عدد أكبر من الخلايا، يمكن أن تتحرر كميات أكبر من المركبات التي تدخل في هذه التفاعلات.

ولهذا قد تختلف شدة الدموع بين أنواع البصل المختلفة. كما يمكن أن تتأثر بطريقة التقطيع وظروف التخزين ودرجة الحرارة وتركيب البصلة نفسها.

ثانيًا: لماذا تستجيب العين بالدموع؟

عندما تصل المركبات المتطايرة الناتجة عن تقطيع البصل إلى سطح العين. فإنها تذوب في الطبقة الرقيقة من السائل التي تغطي العين، ثم تتفاعل مع مستقبلات حسية مرتبطة بالإحساس بالتهيج.

وتتعامل العين مع هذا التهيج باعتباره عاملًا يحتاج إلى الإزالة، فتبدأ الغدد الدمعية بإنتاج كمية أكبر من الدموع. والهدف من ذلك ليس مجرد البكاء، وإنما حماية سطح العين وغسله من المادة المهيجة.

تعمل الدموع كوسيلة دفاع طبيعية؛ فهي تساعد على تخفيف المادة المهيجة وإبعادها عن سطح العين. كما أن حركة الجفن تساهم في توزيع الدموع على العين. ولهذا قد يشعر الشخص أولًا بحرقة أو وخز خفيف، ثم تبدأ العينان بإفراز الدموع بشكل أكبر.

ومن المثير للاهتمام أن كمية الدموع لا تكون بالضرورة متناسبة مع كمية البصل المستخدمة في الطبخ. وإنما تتأثر بمدى وصول المركبات المتطايرة إلى العين. فطريقة تقطيع البصل، والمسافة بين الشخص والبصل، والتهوية في المكان، وحتى سرعة تحضير البصل، يمكن أن تؤثر في شدة الأعراض.

كما أن بعض الأشخاص يكونون أكثر حساسية لهذا التهيج من غيرهم. ولذلك قد تدمع عينا شخص بشكل واضح بينما يشعر شخص آخر بتأثير أقل عند تقطيع الكمية نفسها من البصل.

هل يمكن تقليل الدموع عند تقطيع البصل؟

يمكن تقليل تأثير البصل في العين من خلال الحد من وصول المركبات المتطايرة إليها. ومن الطرق البسيطة التي قد تساعد تبريد البصل قبل تقطيعه. لأن انخفاض درجة الحرارة يمكن أن يبطئ بعض التفاعلات الكيميائية ويقلل من تطاير المركبات لفترة معينة.

كما يمكن أن تساعد التهوية الجيدة في إبعاد المركبات المتطايرة عن الوجه، سواء من خلال تشغيل شفاط المطبخ أو التقطيع في مكان جيد التهوية. ويمكن أيضًا استخدام سكين حاد؛ لأن التقطيع النظيف قد يقلل من سحق الأنسجة مقارنة باستخدام سكين غير حاد يضغط على الخلايا ويمزقها بدرجة أكبر.

وتوجد أيضًا طرق منزلية أخرى متداولة، مثل تقطيع البصل تحت الماء أو بالقرب من مصدر للماء، إلا أن فعاليتها قد تختلف، كما أن استخدام الماء أثناء التقطيع قد يكون غير عملي أو يزيد خطر انزلاق السكين.

ومن المهم أن نعرف أن الهدف من هذه الطرق ليس منع التفاعل الكيميائي بالكامل، وإنما تقليل كمية المادة المتطايرة التي تصل إلى العين.

لماذا يمتلك البصل هذه المواد أصلًا؟

قد يبدو إنتاج البصل لمركبات تسبب الدموع أمرًا غريبًا، لكنه مرتبط بطبيعة النبات ودفاعاته الطبيعية. فالمركبات الكبريتية الموجودة في البصل تدخل في مجموعة من العمليات التي تمنحه رائحته ونكهته المميزة، كما أن بعض المركبات الناتجة عن التفاعلات عند تلف الأنسجة قد تساعد النبات في مواجهة بعض الكائنات التي قد تتغذى عليه.

وبالتالي، فإن التفاعل الذي يسبب لنا الدموع عند تقطيع البصل ليس ظاهرة عشوائية، بل جزء من الكيمياء الطبيعية للنبات. فالخلايا السليمة تحافظ على مكوناتها في ترتيب معين، وعندما تتعرض للتلف يبدأ تفاعل كيميائي سريع يؤدي إلى تكوين مركبات جديدة.

وهذا يوضح أيضًا سبب اختلاف رائحة البصل قبل تقطيعه وبعده؛ إذ إن التقطيع لا يغير شكله فقط، بل يغير البيئة الكيميائية داخل أنسجته ويؤدي إلى تكوين مركبات جديدة مسؤولة عن جزء من رائحته وطعمه.

الخلاصة

تحدث الدموع عند تقطيع البصل نتيجة سلسلة من التفاعلات الكيميائية التي تبدأ عندما يؤدي السكين إلى تكسير خلايا البصلة وخلط مركباتها والإنزيمات الموجودة فيها. وينتج عن هذه التفاعلات مركب متطاير يعرف بعامل الدموع، ينتقل عبر الهواء ويصل إلى سطح العين، حيث يسبب تهيجًا يحفز الغدد الدمعية على إنتاج الدموع.

ولا تمثل الدموع مشكلة بحد ذاتها، بل هي استجابة دفاعية طبيعية تهدف إلى حماية العين والتخلص من المادة المهيجة. كما يمكن تقليل هذه الظاهرة نسبيًا من خلال تبريد البصل، وتحسين التهوية، واستخدام سكين حاد عند التقطيع.

وتكشف هذه الظاهرة البسيطة في المطبخ عن جانب مثير من كيمياء الغذاء؛ فمجرد تقطيع خضار شائع مثل البصل يمكن أن يطلق سلسلة معقدة من التفاعلات الإنزيمية التي تغير تركيب المركبات الموجودة فيه وتنتج مواد جديدة تؤثر في الرائحة والطعم وحتى في استجابة العين. ولذلك فإن دموع البصل ليست مجرد تجربة مزعجة أثناء الطهي، وإنما مثال واضح على التفاعلات الكيميائية الطبيعية التي تحدث في الأغذية أمامنا يوميًا.

للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية

يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.

المصادر

scroll to top