عشبة القديس جون واكتئاب ما بعد الولادة

يُعد اكتئاب ما بعد الولادة من الحالات التي قد تؤثر بشكل واضح في صحة الأم وقدرتها على التكيف مع المرحلة الجديدة وهو أمر قد تعاني منه العديد من النساء بعد الولادة.

فهذه المرحلة تحمل معها تغيرات جسدية وهرمونية ونفسية كبيرة إلى جانب قلة النوم والتعب والمسؤوليات الجديدة. لذلك تحتاج المرأة خلالها إلى الفهم والاهتمام والدعم .

ومن الطبيعي جدًا أن تمر الأم بعد الولادة بفترات من التعب أو تقلب المزاج لكن عندما تستمر هذه الأعراض أو تصبح أكثر شدة وتؤثر في حياتها وقدرتها على القيام بمهامها اليومية فقد يكون الأمر أكثر من مجرد تغير مؤقت في المزاج ويحتاج إلى تقييم طبي واهتمام مناسب.

و قد يتساءل البعض : هل توجد خيارات طبيعية أو أعشاب يمكن أن تساعد في هذه المرحلة؟ ومن بين الأعشاب التي حظيت باهتمام في مجال الاكتئاب هي عشبة القديس جون (St. John’s Wort) والتي ارتبط استخدامها تقليديًا بالتخفيف من أعراض الاكتئاب.

لكن عند الحديث عن استخدامها تحديدًا في اكتئاب ما بعد الولادة تصبح الصورة أكثر تعقيدًا. فالأدلة العلمية المباشرة على فعاليتها وأمانها في هذه الحالة ما زال محدودًا ولا توجد أدلة سريرية كافية تسمح باعتبارها علاجًا مثبتًا لاكتئاب ما بعد الولادة .

ويرجع الاهتمام بهذه العشبة إلى احتوائها على عدد من المركبات النشطة من أبرزها (Hypericin) و (Hyperforin) والتي يمكن أن تؤثر في بعض المسارات والنواقل العصبية المرتبطة بالمزاج.

وقد أظهرت الدراسات التي تناولت استخدامها في الاكتئاب عمومًا نتائج متفاوتة إذ وجدت بعض الدراسات فائدة محتملة في حالات الاكتئاب الخفيف إلى المتوسط بينما لم تُظهر دراسات أخرى نتائج مماثلة.

في اكتئاب ما بعد الولادة لا ننظر فقط الى مدى فعالية العشبة. بل بسلامتها خاصة إذا كانت الأم مرضعة أو تستخدم أدوية أخرى. فقد تنتقل بعض مكونات عشبة القديس جون إلى حليب الأم أو تؤثر على ادرار الحليب .

كيف يمكن أن تؤثر عشبة القديس جون في أعراض الاكتئاب ؟

لا يزال تأثير عشبة القديس جون في الاكتئاب موضوعًا للبحث . حيث تحتوي العشبة على عدد من المركبات النشطة ومن أبرزها (Hypericin)و(Hyperforin). وقد دُرست هذه المركبات بسبب تأثيراتها المحتملة في الإشارات الكيميائية المرتبطة بالمزاج.

ويُعتقد أن بعض مكونات العشبة قد تؤثر في النواقل العصبية في الدماغ مثل :

  • (Serotonin)
  • (Dopamine)
  • (Norepinephrine)

وهي مواد تشارك في تنظيم المزاج والانفعالات.

لكن وجود هذه التأثيرات البيولوجية لا يعني تلقائيًا أن العشبة تعالج الاكتئاب لدى جميع الأشخاص ولا يعني أن تأثيرها مماثل لتأثير الأدوية المضادة للاكتئاب. فالاستجابة للعلاج تعتمد على الحالة نفسها وشدة الأعراض والجرعة وتركيبة المستحضر المستخدم.

وتكمن أهمية ذلك عند الحديث عن اكتئاب ما بعد الولادة تحديدًا في أن هذه الحالة لا يمكن التعامل معها كمجرد انخفاض مؤقت في المزاج. لذلك حتى لو كانت للعشبة تأثيرات محتملة على المسارات المرتبطة بالمزاج فإن ذلك لا يكفي وحده لاعتبارها علاجًا مثبتًا لاكتئاب ما بعد الولادة.

أما بالنسبة للأمهات المرضعات فبعض مكونات عشبة القديس جون يمكن أن تنتقل إلى حليب الثدي وقد تم الإبلاغ عن ظهور بعض الأعراض لدى عدد من الرضع الذين كانت أمهاتهم يستخدمن العشبة مثل المغص والنعاس أو الخمول. وعلى الرغم من أن هذه الأعراض لم تكن شديدة في الحالات التي تم الإبلاغ عنها ولم تتطلب علاجًا طبيًا بالإضافة الى أنها من الممكن أن تؤثر على إدرار الحليب .

لذلك لا ينبغي أن يكون وصف عشبة القديس جون بأنها طبيعية سببًا لاعتبارها آمنة أو مناسبة للأم بعد الولادة. فاختيار العلاج في هذه المرحلة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار:

  • شدة الأعراض
  • حالة الأم
  • الرضاعة
  • الأدوية
  • المكملات الأخرى التي تستخدمها

والأهم ألا تتعامل الأم مع اكتئاب ما بعد الولادة بمفردها فهي حالة تتطلب العون .

عشبة القديس جون والرضاعة الطبيعية

بعد الولادة قد تحتاج الأم إلى علاج للاكتئاب في الوقت الذي تكون فيه مرضعة وهنا لا يتعلق تقييم أي علاج بتأثيره على الأم فقط بل يجب أيضًا التفكير في احتمال انتقال مكونات العلاج إلى حليب الثدي وتأثيرها في الرضيع.

تشير المعلومات المتاحة إلى أن بعض مكونات عشبة القديس جون يمكن أن تنتقل إلى حليب الأم إلا أن البيانات المتعلقة بمدى انتقالها ما تزال محدودة.

وهنا تظهر مشكلة مهمة عند استخدام المنتجات العشبية إذ قد تختلف كمية وتركيز المركبات الفعالة بين المستحضرات التجارية مما يجعل تعميم نتائج دراسة واحدة على جميع المنتجات أمرًا غير دقيق. كما أن غياب الأعراض الواضحة لدى الأم أو الطفل لا يعني بالضرورة أن الاستخدام خالي من المخاطر.

لذلك إذا كانت الأم تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة وترضع طفلها فلا ينبغي أن تبدأ عشبة القديس جون من تلقاء نفسها. ويجب أن يكون قرار استخدامها بعد تقييم الحالة الصحية للأم والأدوية أو المكملات الأخرى التي تستخدمها وموازنة الفوائد المحتملة مع المخاطر المحتملة على الرضيع.

عشبة القديس جون والتداخلات الدوائية

قد تبدو عشبة القديس جون خيارًا بسيطًا لأنها منتج عشبي. لكن قدرتها على التأثير في بعض العمليات داخل الجسم تعني أنها قد تتداخل مع أدوية أخرى. وتُعد هذه النقطة مهمة بشكل خاص لدى النساء المصابات باكتئاب ما بعد الولادة. فقد يحتجن إلى أدوية أخرى خلال هذه الفترة وبالتالي فإن إضافة مكمل عشبي دون استشارة المختص قد يغير من تأثير هذه الأدوية.

تستطيع عشبة القديس جون التأثير في بعض الإنزيمات والناقلات المسؤولة عن استقلاب ونقل الأدوية داخل الجسم. مما قد يؤدي إلى تقليل تركيز بعض الأدوية أو تغيير تأثيرها. كما أن استخدامها مع بعض الأدوية التي تؤثر في النواقل العصبية قد يزيد من خطر حدوث تأثيرات جانبية غير مرغوبة.

ولهذا السبب لا ينبغي النظر إلى المكملات العشبية على أنها منفصلة عن الأدوية الموصوفة من الطبيب. فكون المادة نباتية لا يعني أنها لا تتفاعل مع الأدوية بل إن بعض الأعشاب قد تؤثر في فعالية العلاج أو تزيد من آثاره الجانبية.

وتزداد أهمية هذه المسألة لدى الأم بعد الولادة خصوصًا إذا كانت تستخدم أكثر من دواء أو مكمل أو كانت ترضع طفلها. لذلك يجب إخبار الطبيب أو الصيدلي بأي عشبة أو مكمل غذائي يتم استخدامه حتى يمكن تقييم احتمالية حدوث تداخلات.

هل يمكن أن تكون عشبة القديس جون بديلًا عن مضادات الاكتئاب؟

رغم أن بعض الدراسات تشير إلى فائدة عشبة القديس جون في حالات معينة من الاكتئاب ولاكن الدليل العلمي المتوفر حول استخدامها لاكتئاب مابعد الولادة ما يزال محدودًا.كما أن الدراسات التي تناولت الاكتئاب بشكل عام لا يمكن تطبيق نتائجها مباشرة على النساء في فترة ما بعد الولادة.

ويختلف اكتئاب ما بعد الولادة أيضًا في شدته من امرأة إلى أخرى فقد تكون الأعراض بسيطة بينما قد تكون شديدة وتؤثر في قدرة الأم على القيام بمهامها اليومية أو رعاية نفسها وطفلها. لذلك يعتمد اختيار العلاج على تقييم :

  • شدة الحالة
  • الأعراض الموجودة
  • التاريخ الصحي
  • ما إذا كانت الأم مرضعة
  • الأدوية الأخرى التي تستخدمها

لذلك يمكن اعتبار عشبة القديس جون موضوعًا يحتاج إلى مزيد من البحث في اكتئاب ما بعد الولادة وليس علاجًا بديلًا يمكن الاعتماد عليه دون إشراف طبي. والهدف من معرفة الخيارات العشبية ليس استبدال العلاج وإنما فهم فوائدها المحتملة وحدود الأدلة حولها ومخاطر استخدامها.

الخلاصة

اكتئاب ما بعد الولادة حالة تحتاج إلى فهم ودعم وتقييم مناسب ولا ينبغي التعامل معها على أنها مجرد تغير مؤقت في المزاج. ورغم أن عشبة القديس جون أظهرت فائدة محتملة في بعض حالات الاكتئاب .فإن الأدلة على فعاليتها وأمانها في اكتئاب ما بعد الولادة ما تزال محدودة خاصة لدى الأمهات المرضعات .

للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية

يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.

كتبت المقالة بواسطة هديل قنديل أخصائية التغذية العلاجية.

المصادر

https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/16513867

https://www.frontiersin.org/journals/behavioral-neuroscience/articles/10.3389/fnbeh.2022.1066459/full

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC4711886/pdf/2016-1407.pdf

scroll to top