مرض البلاغرا (Pellagra)

كثيرًا ما نتحدث عن الفيتامينات والمعادن ودورها الأساسي في الحفاظ على صحة الجسم  إذ قد يؤدي نقص بعضها إلى اضطرابات صحية تؤثر في وظائف أجسادنا وأحيانًا تتطور إلى حالة خطيرة إذا لم تُكتشف وتُعالج في الوقت المناسب .


وفي بعض الحالات قد يؤدي التأخر في العلاج إلى مضاعفات خطيرة قد لا يستطيع الجسم التعافي منها بشكل كامل حتى بعد علاج النقص.

وتكمن خطورة المرض في أنه لا يقتصر على جهاز واحد في جسم الانسان بل قد يؤثر في الجلد والجهاز الهضمي والجهاز العصبي.تعود أهمية البلاجرا أيضًا إلى تاريخ اكتشاف أسبابها فقد اعتُقد لفترة طويلة أنها مرض معدي إلى أن ساعدت تجارب الطبيب الأمريكي جوزيف غولدبرغر (Joseph Goldberger) في أوائل القرن العشرين على توضيح ارتباطها بسوء التغذية. وفي عام 1937 أسهمت أبحاث كونراد إلفهيم (Conrad Elvehjem) في تأكيد دور النياسين في الوقاية من المرض وعلاجه.

لكن ما الذي يجعل نقص هذا الفيتامين قادرًا على التأثير في الجلد والهضم والدماغ ؟

لماذا يؤثر نقص النياسين في أجزاء مختلفة من الجسم؟

علينا أن نعرف أن خلايا الجسم تحتاج إلى الطاقة باستمرار حتى تتمكن من أداء وظائفها سواء كانت لإصلاح الأنسجة أو تجديد خلايا الجلد أو هضم الطعام أو الحفاظ على عمل الدماغ.

وهنا يأتي دور النياسين إذ يستخدمه الجسم لتكوين مركبين مهمين يعرفان باسم (NAD) و(NADP). قد تبدو هذه الأسماء معقدة لكن يمكن فهم دورهما ببساطة من خلال معرفة أن الجسم لا يستطيع الاستفادة من الطعام بمجرد تناوله .بل يحتاج إلى سلسلة من التفاعلات الكيميائية لتحويل العناصر الغذائية إلى طاقة ومواد تساعد الخلايا على العمل. ويساهم هذان المركبان في إتمام هذه التفاعلات كما يشاركان في عمليات أخرى ضرورية لحماية الخلايا وإصلاحها.

ماذا يحدث عندما ينقص النياسين؟

عندما لا يحصل الجسم على كمية كافية من النياسين تنخفض قدرته على تنفيذ بعض العمليات الحيوية التي تحتاج إلى هذه المركبات. ومع استمرار النقص تبدأ الأنسجة التي تعتمد على هذه العمليات بالتأثر فتظهر أعراض البلاجرا.

  • الجلد: يحتاج الجلد إلى تجديد خلاياه باستمرار ولذلك قد يتأثر عند نقص النياسين فتظهر التهابات جلدية قد تصبح أكثر وضوحًا في المناطق المعرضة للشمس.
  • الجهاز الهضمي: تتجدد الخلايا المبطنة للجهاز الهضمي باستمرار كما تحتاج إلى الطاقة لأداء وظائفها الطبيعية. وقد يؤدي نقص النياسين إلى التهاب هذه البطانة ما يسبب أعراضًا مثل الإسهال والتهاب الفم واللسان.
  • الدماغ والجهاز العصبي: يحتاج الدماغ إلى إمداد مستمر بالطاقة حتى يحافظ على وظائفه مثل التفكير والذاكرة والتركيز. لذلك، قد يؤدي النقص الشديد في النياسين إلى تغيرات عصبية ونفسية مثل الارتباك وضعف الذاكرة وتغير السلوك.

وهكذا فإن البلاجرا ليست مجرد مشكلة جلدية كما قد يبدو من بعض أعراضها بل مرض غذائي يمكن أن يؤثر في عدة أجهزة من الجسم في الوقت نفسه وقد تصبح مضاعفاته خطيرة إذا لم يعالج مبكرًا.

أعراض البلاجرا الـ 3Ds ولماذا تُعرف أحيانًا بالـ 4Ds؟

تعرف البلاجرا طبيًا بارتباطها بثلاثة أعراض رئيسية تبدأ أسماؤها باللغة الإنجليزية بحرف D:

  • وهي التهاب الجلد (Dermatitis)
  • والإسهال (Diarrhea)
  • والخرف (Dementia)
  • ويضاف إليها أحيانًا العرض الرابع وهو الموت (Death)

والموت للإشارة إلى خطورة المرض عندما يُترك دون علاج

لكن هذه الأعراض لا تظهر بالضرورة كلها لدى كل مصاب ولا يشترط أن تظهر بترتيب محدد. فقد تبدأ العلامات بتغيرات في الجلد أو اضطرابات في الهضم بينما تظهر الأعراض العصبية والنفسية مع تطور الحالة.

1. التهاب الجلد

يعد التهاب الجلد من أبرز علامات البلاجرا ويظهر غالبًا على شكل طفح جلدي في المناطق المعرضة لأشعة الشمس مثل الوجه واليدين والذراعين والقدمين. وقد يبدو الجلد محمرًا وسميكًا ومتقشرًا وأحيانًا يشبه حروق الشمس ثم يصبح أكثر خشونة مع استمرار الحالة.

ومن العلامات المميزة ما يعرف باسم طوق كاسال وهو طفح جلدي يظهر حول الرقبة وأعلى الصدر وقد يأخذ شكل طوق واضح. ويساعد ظهور هذه العلامات في المناطق المعرضة للشمس على الاشتباه بالمرض خاصة عند وجود أعراض أخرى تدل على نقص النياسين.

2. الإسهال واضطرابات الجهاز الهضمي

لا يقتصر تأثير نقص النياسين على الجلد بل قد يمتد إلى بطانة الجهاز الهضمي فيسبب التهابها واضطراب وظائفها. ومن الممكن أن يعاني المصاب من الإسهال والغثيان وألم البطن وضعف الشهية.

و تظهر أيضًا تغيرات في الفم واللسان إذ يصبح اللسان أحمر اللون ومؤلمًا وقد يبدو لامعًا بسبب التهاب سطحه وفقدان بعض الحليمات الصغيرة التي تغطيه. وقد تجعل هذه الأعراض تناول الطعام مزعجًا مما يزيد صعوبة الحصول على الاحتياجات الغذائية إذا استمرت الحالة.

3. الخرف

مع تقدم البلاجرا دون علاج، قد يعاني المصاب من تشوش ذهني شديد وضعف في الذاكرة والتفكير. وفي الحالات المتقدمة، يمكن أن تظهر الهلوسة أو أعراض نفسية أخرى. ولا يعني مصطلح (Dementia) بالضرورة الإصابة بالخرف الدائم، بل يشير هنا إلى تراجع القدرات المعرفية الذي قد يصاحب الحالات الشديدة.

4. الموت

أضيف الموت إلى الأعراض الثلاثة في المصطلح الشائع الـ 4Ds للتأكيد على خطورة البلاجرا إذا لم تُعالج. فاستمرار نقص النياسين قد يؤدي إلى تدهور شديد في الحالة الصحية خاصة مع الإسهال وسوء التغذية والمضاعفات العصبية.

لكن الموت ليس نتيجة حتمية للمرض إذ يمكن علاج البلاجرا بتعويض النياسين ومعالجة السبب الذي أدى إلى نقصه إلى جانب توفير التغذية المناسبة. وكلما جرى اكتشاف الحالة وعلاجها مبكرًا زادت فرصة التعافي وتجنب المضاعفات الخطيرة

لماذا ما زالت تظهر بعض الحالات؟

على الرغم من أن تدعيم بعض الأغذية بالنياسين ساهم في الحد من انتشار البلاجرا في كثير من البلدان فإن المرض لم يختفي تمامًا. فما زالت بعض الحالات تسجَّل اليوم خاصة عندما توجد عوامل تؤدي إلى نقص النياسين أو تقلل قدرة الجسم على الاستفادة منه.

ومن أبرز هذه العوامل:

1. الإفراط المزمن في تناول الكحول

قد يرتبط الاستهلاك المزمن للكحول بسوء التغذية وانخفاض تناول الأطعمة الغنية بالفيتامينات واضطرابات امتصاص بعض العناصر الغذائية والاستفادة منها. وعندما تجتمع هذه العوامل قد يزداد خطر الإصابة بنقص النياسين وظهور البلاجرا.

2. جراحات السمنة واضطرابات الأكل

قد تؤدي بعض جراحات السمنة خاصة عندما تترافق مع ضعف تناول الطعام أو عدم الالتزام بالمكملات الموصوفة إلى نقص عدد من الفيتامينات والمعادن. كذلك قد تؤدي اضطرابات الأكل مثل فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa)، إلى نقص شديد في العناصر الغذائية نتيجة عدم الحصول على كميات كافية من الطعام لفترات طويلة. وفي مثل هذه الحالات قد يظهر نقص النياسين ضمن مجموعة من أوجه النقص الغذائي الأخرى.

3. متلازمة هارتنوب (Hartnup Disease)

تُعد متلازمة هارتنوب اضطرابًا وراثيًا نادرًا يؤثر في قدرة الأمعاء والكلى على نقل بعض الأحماض الأمينية ومنها التربتوفان. وتكمن أهمية ذلك في أن الجسم يستطيع استخدام التربتوفان لتصنيع النياسين. لذلك قد تؤدي هذه المتلازمة إلى زيادة خطر الإصابة بالبلاجرا خاصة عندما لا يكون تناول النياسين من الغذاء كافيًا.

وتوضح هذه الحالات أن الإصابة بالبلاجرا لا ترتبط دائمًا بقلة الطعام وحدها بل قد تنتج أيضًا عن اضطرابات تؤثر في امتصاص العناصر الغذائية أو نقلها أو الاستفادة منها داخل الجسم.

مصادر النياسين

يتوفر النياسين في مجموعة متنوعة من الأطعمة سواء من المصادر الحيوانية أو النباتية. ومن أبرز مصادره اللحوم والدواجن والأسماك مثل التونة والسلمون إضافةً إلى الفول السوداني والحبوب الكاملة وبعض أنواع البقوليات. كما يستطيع الجسم تصنيع جزء من احتياجاته من النياسين باستخدام الحمض الأميني التريبتوفان (Tryptophan) الموجود في الأطعمة الغنية بالبروتين.

وتشمل أهم مصادر النياسين:

  • المصادر الحيوانية: الدجاج واللحوم والأسماك مثل التونة والسلمون.
  • المصادر النباتية: الفول السوداني والبقوليات والحبوب الكاملة.
  • الأطعمة المدعّمة: بعض أنواع حبوب الإفطار والخبز المدعّم بالفيتامينات.

ومن المهم الإشارة إلى أن الذرة تحتوي على النياسين لكن جزءًا منه يكون في صورة يصعب على الجسم الاستفادة منها خاصةً إذا لم تُعالج بطرق تزيد من إتاحته الحيوية. وقد ارتبط الاعتماد الكبير على الذرة غير المعالجة بالطريقة التقليدية مع قلة تنوع الغذاء بانتشار البلاجرا تاريخيًا في بعض المجتمعات.

الخاتمة

تُظهر لنا قصة البلاجرا أن نقص عنصر غذائي واحد قد يؤثر في أجزاء مختلفة من الجسم وأن أهمية الفيتامينات لا تكمن في الكمية التي يحتاجها الجسم منها فحسب بل في الدور الأساسي الذي تؤديه للحفاظ على وظائفه الطبيعية. كما تذكّرنا هذه الحالة بأن التغذية المتوازنة لا تقتصر على توفير الطاقة بل تشمل أيضًا الحصول على العناصر الغذائية التي تحتاجها خلايانا لتعمل بصورة سليمة. وقد ساهم فهم أسباب البلاجرا ودور النياسين في الوقاية منها وعلاجها لتبقى مثالًا واضحًا على أهمية التغذية في حماية الصحة والوقاية من الأمراض.

للتواصل المباشر مع خدمات عيادة سمارة للتغذية

يمكنك التواصل مباشرة مع كادر العيادة المتخصص من حول العالم. كما و الاستفادة من برامجنا الغذائية المتخصصة في علاج الامراض المزمنة المختلفة . و ذلك من خلال حجز المواعيد بواسطة موقع العيادة او خدمة الواتساب.

كتبت المقالة بواسطة هديل قنديل أخصائية التغذية العلاجية.

المصادر

Understanding of Nutrition 4th Edition

Nutrition Therapy and Pathophysiology

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/sites/books/NBK557728

scroll to top